في تطور سياسي وقضائي مفاجئ، أصدرت محكمة الجنح في باريس حكمًا بإدانة زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان بتهم اختلاس وإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي، وقضت بحرمانها من الترشح لأي منصب عام لمدة خمس سنوات، إلى جانب الحكم بسجنها أربع سنوات، منها سنتان مع وقف التنفيذ وسنتان تحت الإقامة الجبرية، بالإضافة إلى غرامة مالية قدرها 100 ألف يورو.
هذه الإدانة ليست مجرد ضربة سياسية للمرشحة الأوفر حظًا في انتخابات 2027، بل تمثل لحظة فاصلة في تاريخ اليمين المتطرف الفرنسي، الذي تغذّى لسنوات على خطاب الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين بدعم غير مباشر من قوى إقليمية على رأسها الإمارات.
![]()
التحالف غير المقدّس: مارين لوبان ومحور الإسلاموفوبيا بقيادة بن زايد
لم تكن مارين لوبان يومًا مجرد سياسية فرنسية تسعى للوصول إلى الحكم، بل كانت رمزًا أوروبيا لحركة دولية من اليمين المتطرف الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه على معاداة الإسلام.
طوال العقد الماضي، تحالفت لوبان سياسيًا وإعلاميًا مع قوى إقليمية تناهض الوجود الإسلامي في أوروبا، أبرزها دولة الإمارات بقيادة محمد بن زايد، والتي لعبت دورًا متزايدًا في تمويل الحملات اليمينية المتطرفة وتضخيم خطاب الكراهية عبر وسائل إعلامها وشبكات تأثيرها في أوروبا.
وتُعتبر مارين لوبان واحدة من أبرز الوجوه السياسية التي احتضنها بن زايد في مشروعه المعادي للإسلام السياسي والمسلمين عامة، وقد تم تسليط الضوء أكثر من مرة على الدعم الإعلامي والسياسي الذي تلقّته من منصات إماراتية، خاصة خلال حملاتها الانتخابية.
كما دعمت لوبان علنًا سياسات أبو ظبي الإقصائية تجاه الإخوان المسلمين، وباركت حملات القمع ضد المؤسسات الإسلامية في أوروبا، بل وشاركت في تأجيج خطاب الخوف من “أسلمة” القارة الأوروبية.
التحالف غير المقدّس بين لوبان وبن زايد كان مبنيًا على المصالح المشتركة: فبينما أرادت لوبان بناء مجدها السياسي على خطاب قومي متطرف معادٍ للمهاجرين والمسلمين، كان بن زايد يبحث عن أدوات أوروبية لتضييق الخناق على المجتمعات الإسلامية والمؤسسات الدينية الحرة في الغرب، تحت شعار “محاربة الإسلام السياسي”.
وقد التقت الأجندتان في ملفات عدة، من بينها دعم قرارات حظر الحجاب، إغلاق المساجد، وشيطنة الجمعيات الإسلامية.
العدالة تنتصر: إدانة جنائية وتفكيك شبكة فساد سياسي
لكن ما لم تحسب له لوبان حسابًا هو أن خطاباتها الشعبوية لن تحميها من المحاسبة القانونية.
فبحسب ما كشفته محكمة الجنح في باريس، لعبت لوبان دورًا مركزيًا في نظام تم تصميمه لاختلاس أموال البرلمان الأوروبي، عبر توظيف مساعدين برلمانيين وهميين يعملون في الواقع لصالح حزبها السياسي “التجمع الوطني”.
وقدرت المحكمة حجم الضرر بنحو 2.9 مليون يورو، وشملت الإدانة 27 متهمًا من قيادات الحزب، من بينهم والدها جان ماري لوبان، ولويس أليوت، وبرونو غولنيش.
وقالت القاضية بينيديكت دي بيرتوي إن لوبان وضعت نفسها منذ عام 2009 في قلب هذا النظام الفاسد، الذي أسسه والدها وشاركت فيه منذ عام 2004، مؤكدةً أن أموال الاتحاد الأوروبي استُخدمت لدفع رواتب موظفين يعملون لصالح الحزب وليس للبرلمان كما هو مفترض.
الأخطر من ذلك أن المحكمة لم تكتفِ بالحكم بالسجن والغرامة، بل قررت تطبيق “الإجراء المؤقت” لحرمانها من الترشح للمناصب العامة، وهو قرار يدخل حيز التنفيذ فورًا، ما يعني عمليًا استبعاد لوبان من سباق الانتخابات الرئاسية 2027، حتى لو استأنفت الحكم. وإذا لم تحصل على قرار قضائي لصالحها قبل الانتخابات، فستكون فرصتها في العودة شبه معدومة.
هزيمة لخطاب الكراهية وانتصار للديمقراطية الأوروبية
إدانة مارين لوبان ليست فقط انتصارًا للعدالة، بل هي رسالة واضحة بأن أوروبا لن تسمح بعد اليوم بأن يتحول المال العام إلى وقود لمشاريع سياسية مبنية على العنصرية والخداع.
كما أنها بمثابة تحذير لليمين المتطرف في عموم القارة، والذي يواصل صعوده مستندًا إلى دعم قوى خارجية معادية للديمقراطية.
إن سقوط حليفة بن زايد في قلب أوروبا يمثّل نقطة تحوّل مهمة في مواجهة المشروع الإسلاموفوبي الذي جمع بين لوبيات اليمين المتطرف وبعض الأنظمة العربية الاستبدادية.
وربما تكون هذه بداية العدّ العكسي لتحالف الكراهية الذي أراد إعادة تشكيل هوية أوروبا عبر التخويف والتضليل والفساد.
اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يعلن “تطهير الخرطوم”.. خسارة جديدة للإمارات