يمثل جهاز المخابرات العامة المصرية أحجية يعجز المحللون عن فك طلاسمها، فلا أحد يعرف أقسام الجهاز ولا حدود نشاطه، ولا يوجد له موقع ينشر عليه وثائقه القديمة المرفوع عنها السرية، ولعل هذا بسبب عمل الجهاز خارج نطاق القانون، مما يستلزم إخفاء نشاطاته والتكتم على ممارساته.

ومن بين 20 شخصا تولوا رئاسة الجهاز منذ تأسيسه عام 1954 حتى اليوم لا نجد لهم كتبا تتناول الأعمال التي شاركوا فيها سوى ما كتبه اثنان فقط دفاعا عن أنفسهما بعد تعرضهما للسجن على يد النظام الحاكم،  مثلما في كتاب “صلاح نصر(1957-1967)” المنشور عام 1975 ( عملاء الخيانة – حديث الإفك) الذي أورد فيه نصوص لقاءات “مصطفى أمين” مع مسؤولين أمريكيين، ردا على اتهامات أمين له بتعذيبه في مقر الجهاز وسجنه ظلما. ومثلما فعل أحمد كامل رئيس المخابرات العامة (1970-1971) في مذكراته التي نشرها عام 1990، وتناول خلالها طبيعة علاقته بالسادات وأسباب القبض عليه في حركة التصحيح في 15 مايو 1971. فضلا عن بعض الأحداث التي أوردها “أمين هويدي(1967-1970)” في كتبه المتنوعة  و”كمال حسن علي” (1975- 1978) في مذكراته (مشاوير العمر). أما السمعة الكبيرة التي اكتسبها الجهاز فلم يكتسبها من الدراسات المنشورة عنه إنما اكتسبها من مسلسلات رأفت الهجان وجمعة الشوان فضلا عن سلسلة روايات الجيب الشهيرة (رجل المستحيل).

بينما على الضفة الأخرى من العالم نجد أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (Central Intelligence Agency) لها موقع إلكتروني تنشر عليه وثائقها المرفوع عنها السرية، فضلا عن بعض الكتب مثل كتاب (علم نفس التحليل الاستخباراتي) والذي يقدم أدوات للتقييم الصائب، ويشرح الانحياز المعرفي وتأثيراته على تقييمات الاستخبارات وتحليلاتها ، وهو مجال لم يكتب فيه بالعربية بعد .

كما تصدر وكالة الاستخبارات الأمريكية مجلة فصلية بعنوان (دراسات في الاستخبارات – Studies In Intelligence) تنشر خلالها دراسات تاريخية عن عمليات استخبارية في الحربين العالميتين الأولى والثانية وحرب فيتنام ومكافحة حروب العصابات وغيرها، كما تنشر عددا من المقالات تحت باب( الاستخبارات اليوم وغدا) تتناول جديد الشأن الاستخباراتي ، أما أهم ما فيها فهو باب (مراجعات رف كتب ضباط الاستخبارات) الذي يقدم ملخصات عن أهم الكتب الجديدة الصادرة في مجال الاستخبارات داخل أميركا وخارجها، والتي تتناول مكافحة التمرد، والتجسس ومكافحته، والمذكرات الشخصية لعناصر الاستخبارات، وجديد الكتب الأكاديمية الخاصة بعلم الاستخبارات.

أما قادة أجهزة الاستخبارات في أميركا، فيسارعون بمجرد خروجهم من الخدمة إلى كتابة مذكراتهم، بل يتسع الأمر ليشمل العديد من ضباط الاستخبارات الميدانيين، وبالمثال يتضح المقال، فبخصوص أحداث سبتمبر والغزو الأميركي لأفغانستان، كتب ما لا يقل عن خمسة من قادة وضباط الاستخبارات الأمريكية كتبا تناولوا فيها تلك الأحداث، فكتب مدير وكالة الاستخبارات السابق “جورج تينت”(1997-2004)  كتابه (في قلب العاصفة- السنوات التي قضيتها في السي آي إيه) ونشره عام 2007، بينما كتب مسؤول العمليات السرية بمركز مكافحة الإرهاب التابع للسي أي إيه “هنري كرامبتون” مذكراته بعنوان (فن التجسس) ونشرها عام 2012 ، ونشر “غاري شروين” مسؤول فريق السي آي إيه بأفغانستان كتابه(الأول بالداخل: كيف قادت وكالة الاستخبارات المركزية الحرب على الإرهاب في أفغانستان) عام 2006،  ونشر ضابط الاستخبارات الميداني “غاري بيرنتسن” كتابه (تحطيم الفك: الهجوم علي بن لادن والقاعدة: رواية شخصية من قائد ميداني لوكالة الاستخبارات المركزية) عام 2006، ونشر مسؤول محطة قندهار في السي آي إيه “روبرت غرينر” كتابه ( 88 يوم إلى قندهار) عام 2016.

أما “مايكل موريل” الذي تولى عدة مناصب هامة بمجتمع الاستخبارات الأميركي، منها منصب المطلع الاستخباري اليومي للرئيس “جورج بوش” ومنصب نائب مدير السي آي إيه ، فقد نشر عام2015 كتابه الهام (الحرب العظمى في زماننا – حرب  السي أي إيه ضد الإرهاب من القاعدة إلى داعش ) والذي تطرق خلاله لثورات الربيع العربي، وكشف عن خبايا التواصلات مع رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء “عمر سليمان” أثناء ثورة يناير، إذ كان موريل هو حلقة الوصل بين سليمان والإدارة الأمريكية.

أما على مستوى الدراسات الأكاديمية، فإن الاستخبارات علم يدرس في الجامعات الأمريكية المختلفة، ففي جامعة بوسطن يُدرس برنامج ( مشاكل الاستخبارات الاستراتيجية) يتدرب خلاله الطلبة على إعداد إطلاع استخباري يومي افتراضي يقدم للرئيس الأميركي بخصوص موضوع راهن، وكتابة تقديرات استخبارية، ويدرسون فيه أصول التحليل الاستخباراتي وعوائقه، وبنية الأجهزة الاستخبارية الأمريكية ومشاكلها،    ونظريات الاستخبارات، والمشاكل التي تعيق جمع المعلومات وتحليلها، وإفادات المصادر وتقييمها، ومكافحة التجسس والتخريب والإرهاب، واستخدامات العمل الخفي والتجاوزات فيه، وعلاقة الاستخبارات بالأمن القومي، والأخطاء والثغرات الموجودة في الأمن الأميركي قبل أحداث سبتمبر. والمشاكل التي تعتري منظومة إدارة الأجهزة الاستخبارية من قبيل التسييس وتجاوز السلم الوظيفي، والتخطيط والميزانية والبرامج، والتعامل مع وسائل الإعلام، فضلا عن كيفية ضبط أداء أجهزة الاستخبارات كي لا تعمل خارج القانون، و التعرف على أجهزة الاستخبارات الأجنبية والجريمة المنظمة والتجسس الصناعي.

كما تحرص وكالة السي أي إيه على توفير منح أكاديمية لعناصرها للدراسة  بالجامعات، إذ يذكر مسؤول العمليات السرية السابق بمركز مكافحة الإرهاب “هنري كرامبتون” في مذكراته (فن التجسس) أنه بعد أن أشرف على عمليات الوكالة بأفغانستان عام 2001 تفرغ عام 2002 لنيل إجازة أكاديمية في كلية بول نيتزه للدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز درس خلالها مقررات في الفكر السياسي والاستراتيجية العسكرية والتاريخ والسياسة الخارجية والإرهاب والفلسفة، كما درس برنامجا بعنوان (فن الاستخبارات وحرفتها) وأكد أنه خلال هذا البرنامج الدراسي توسعت مداركه كثيرا.

وبالإضافة إلى تلك البرامج الجامعية، فإن العديد من الجامعات تقدم كتبا أكاديمية مميزة مثل (دليل استخبارات الأمن الوطني) الصادر عن جامعة أكسفورد البريطانية، والذي يتناول مواضيع شيقة متنوعة، تشمل ( نظريات الاستخبارات، مصادر وأساليب دراسة الاستخبارات، تقييم كفاءة الاستخبارات، الاستخبارات وتطبيق القانون، أداء أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، عملية جمع الاستخبارات من المصادر العلنية والبشرية، التحليل الاستخباراتي في بيئة غير مستقرة، العلاقة بين صناع السياسة والاستخبارات، دراسة أجهزة الاستخبارات الأجنبية في روسيا وإسرائيل وأستراليا).

الشاهد أن الأنظمة الاستبدادية في البلاد العربية حريصة على احتكار علم الاستخبارات، مما يحتم على الحركات الإسلامية أن تعتني بإنشاء مراكز بحثية تعتني به، وتواكب التطور العلمي فيه، وتوفد مبتعثين من المؤهلين لدراسته إلى الغرب، بالتوازي مع ترجمة أبرز الكتب والدراسات الصادرة فيه ونقلها للعربية. لتوفير معارف نظرية تفتح آفاقا جديدة من الوعي يحتاج إليها المسلمون في صراعاتهم الحالية مع أعداء الإسلام والإنسانية.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر ” العدسة “.