لا شيء يثير الشكوك أكثر من حينما يتحول السلام إلى مشروع تسويق سياسي، والعدالة إلى بطاقة دعوة لموائد العلاقات العامة. هكذا تبدو المبادرة السعودية الأخيرة بشأن “حل الدولتين”، التي تُقدَّم للعالم على أنها مبادرة تاريخية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام دولة فلسطينية مستقلة، بينما تُقرأ في الكواليس كخطوة مُحكمة لتجميل صورة ولي العهد محمد بن سلمان على الساحة الدولية، وإعادة رسم موقع المملكة في خريطة النفوذ الإقليمي.
من “التحالف العالمي” إلى التحالف مع المصالح
منذ سبتمبر 2024، أطلقت السعودية بالشراكة مع النرويج ما سُمّي بـ”التحالف العالمي لتطبيق حل الدولتين”. عنوان براّق، اجتماعات دولية، بيانات إنسانية الطابع، وصور دبلوماسية تُظهر الرياض كعرّاب للسلام. لكن خلف هذه المشاهد، تظل الأسئلة حاضرة: هل تدفع المملكة حقًا باتجاه سلام عادل وشامل، أم أنها تُخفي تحت غطاء “حقوق الفلسطينيين” أجندة أوسع تخدم تحالفاتها الاقتصادية والأمنية؟
التوقيت وحده يفتح باب الشكوك. فالمبادرة جاءت وسط حاجة ملحّة لبن سلمان لتحسين صورته التي تلطخت بفعل سجل حقوقي دموي، وفضائح سياسية واقتصادية متتالية، وتوترات مع دوائر صنع القرار في الغرب. فجأة، يتحول الرجل إلى راعٍ لحل سياسي طالما عرقلته توازنات إقليمية كان للمملكة نفسها دور فيها.
تاريخ من المبادرات وانعدام التنفيذ
لا يمكن إنكار أن السعودية لها تاريخ طويل في طرح مبادرات لحل القضية الفلسطينية. من مبادرة السلام العربية عام 2002 إلى محاولات الضغط خلف الكواليس في مراحل متعددة. لكن ما يميز هذه الجهود أنها غالبًا ما كانت تنتهي في أرشيف المؤتمرات، بلا آليات ملزمة ولا ضمانات فعلية للفلسطينيين.
اليوم، يبدو المشهد نسخة مُحسّنة من ذلك الإرث: ذات اللغة الدبلوماسية الملساء، ذات الصور الجماعية الموحية بالإنجاز، وذات الغياب شبه الكامل للضغط الفعلي على إسرائيل. الفرق أن النسخة الحالية تأتي مدعومة بحملة إعلامية عالمية، وممولة بسخاء من خزائن الدولة، لتصوير ولي العهد كـ”رجل السلام الجديد” في الشرق الأوسط.
سلام انتقائي وازدواجية صارخة
في الوقت الذي تتحدث فيه الرياض عن حقوق الفلسطينيين، تواصل تقوية قنوات التواصل الأمنية والاستخباراتية مع تل أبيب، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء إقليميين. وبينما تُرفع لافتات “إنهاء الاحتلال” في المؤتمرات، تُبنى تحت الطاولة تفاهمات اقتصادية وأمنية هدفها تمهيد الأرضية لتطبيع كامل، حين يحين التوقيت المناسب.
هذا التناقض لا يمكن تجاهله. فمن غير المنطقي أن تتصدر دولة تحظر أبسط أشكال المعارضة الداخلية، وتقمع الأصوات المستقلة، وتقايض حرية التعبير بالترويض السياسي، مشهد الدفاع عن حقوق شعب آخر. العدالة لا تُجزّأ، والسلام لا يُمنح بانتقائية.
المكاسب السياسية قبل المكاسب الإنسانية
الدفع السعودي نحو حل الدولتين لا ينفصل عن طموح المملكة في إعادة تشكيل علاقاتها مع القوى الكبرى. دعم القضية الفلسطينية هنا ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتعزيز شرعية النظام دوليًا، وفتح أبواب النفوذ في العواصم الغربية، خاصة واشنطن وبروكسل.
بالنسبة لمحمد بن سلمان، هذه المبادرة فرصة ذهبية لتسويق نفسه كصانع سلام بعد سنوات من صورته كمستبد متهور. هي ورقة تفاوضية على الطاولة مع الغرب، تمنحه القدرة على المطالبة بمكاسب اقتصادية وأمنية مقابل لعب دور الوسيط “المعتدل” في أكثر الملفات حساسية في المنطقة.
خلف الكواليس: الأمن قبل الحرية
تحليل مسار التحالف السعودي-النرويجي يكشف أن معظم الاجتماعات ركزت على “ترتيبات أمنية” أكثر من تركيزها على القضايا الجوهرية للحقوق الفلسطينية. الحديث عن حدود الدولة، القدس، حق العودة، والسيادة الكاملة جاء ثانويًا، بينما كان النقاش الأساسي حول ضمان “استقرار” الوضع بعد قيام الدولة.
هنا يظهر البعد الحقيقي: الهدف ليس تأسيس دولة فلسطينية قادرة على تقرير مصيرها بحرية، بل إنشاء كيان سياسي منزوع المخالب، يمكن التحكم فيه عبر ترتيبات إقليمية تُرضي إسرائيل وتحافظ على شبكة المصالح السعودية.
سلام للتصوير لا للتنفيذ
عدد من المحللين الدوليين يرون أن التحرك السعودي الأخير ليس سوى إعادة إنتاج لسياسات “السلام المشروط” التي عرفها الشرق الأوسط لعقود.
إيلينا رودريغيز، الباحثة في مركز السياسات الدولية بمدريد، تصف المبادرة بأنها “صورة جميلة بلا مضمون حقيقي”، مؤكدة أن الرياض لا تمارس أي ضغط فعلي على إسرائيل، بل تكتفي بالتصريحات الرنانة.
ديفيد هاربر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة لندن، يرى أن “محمد بن سلمان يحاول استنساخ صورة السادات أو رابين، لكن دون تقديم أي تنازلات حقيقية، أو ضمان الحد الأدنى من الحقوق للفلسطينيين”.
أما مايكل أندرسون، المستشار السابق للأمم المتحدة في قضايا النزاع، فيحذر من أن “هذا النوع من السلام المعلّب سيخلق كيانًا فلسطينيًا تابعًا، غير قادر على حماية نفسه أو فرض سيادته، بل خاضع لاتفاقات أمنية واقتصادية تخدم الأطراف القوية فقط”.
مقاومة داخلية وخارجية
حتى الآن، لا تجد هذه المبادرة قبولًا واسعًا في الداخل الفلسطيني، خاصة من القوى المقاومة التي ترى فيها محاولة لانتزاع سلاحها وتفكيك بنيتها السياسية مقابل وعود غامضة. على الجانب الإسرائيلي، تعترض تيارات اليمين المتشدد على أي تنازلات حقيقية، ما يجعل احتمالات نجاح المبادرة شبه معدومة.
أما في الولايات المتحدة، فالجماعات المؤيدة لإسرائيل تضغط لفرملة أي خطوة سعودية قد تُفسر على أنها انحياز للفلسطينيين، بينما تنظر دوائر أخرى في واشنطن للمبادرة كفرصة لتعزيز “السلام الاقتصادي” الذي يخدم شركات السلاح والطاقة أكثر مما يخدم الشعوب.
الدعاية أكبر من الإنجاز
في المحصلة، يبدو أن زخم المبادرة السعودية أكبر بكثير من محتواها الفعلي. الكثير من الصور، البيانات، المؤتمرات، لكن على الأرض، لا تغيير يُذكر في ممارسات الاحتلال، ولا تقدم في ملفات اللاجئين، ولا حتى جدول زمني واضح لإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
الرياض تدرك ذلك، لكنها تراهن على أن المشهد الإعلامي كافٍ لإقناع جمهورها المستهدف: الداخل السعودي، حيث الإعلام الرسمي يكرر الخطاب الموحّد، والجمهور الغربي الذي قد يكتفي بصورة الأمير مبتسمًا إلى جانب مسؤولين أوروبيين وفلسطينيين.
سلام بلا جذور واستقرار هش
أي حل لا ينبع من إرادة الشعوب، ولا يُبنى على أسس العدالة الشاملة، سيكون مجرد قشرة هشة تسقط عند أول اختبار. المبادرة السعودية، بصيغتها الحالية، تبدو أقرب إلى صفقة سياسية مؤقتة منها إلى مشروع تحرر وطني حقيقي.
إن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى رعاة جدد يديرون قضيتهم من عواصم بعيدة، بقدر ما يحتاجون إلى تمكينهم من الدفاع عن أرضهم وحقوقهم وفق القانون الدولي، بعيدًا عن أجندات الأنظمة التي ترى في القضية مجرد ورقة تفاوضية.