في خطوةٍ وصفت بأنها إعلان رسمي بعد شهور من الغموض، أكّدت حركة “حماس” لأول مرة استشهاد القائد العسكري في كتائب القسام محمد السنوار، الذي اغتالته قوات الاحتلال الإسرائيلي في أيار/مايو الماضي.
الإعلان جاء عبر نشر صور تذكارية لقادة الحركة الذين ارتقوا في معركة “طوفان الأقصى”، وعلى رأسهم إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، ومحمد الضيف، ومروان عيسى، ومحمد السنوار، إضافة إلى قادة ميدانيين آخرين ظهروا لأول مرة في هذه الصور. هذا الإعلان لم يكن مجرد تأكيد لاستشهاد أحد أبرز قادة المقاومة، بل حمل رسالة سياسية وعسكرية عميقة حول طبيعة الصراع واستمراره.

رمزية الصور ورسائلها
نشر “حماس” لصور قيادتها لم يكن حدثًا عاديًا. فإظهار صور إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى مع محمد السنوار في لوحة واحدة، أعطى انطباعًا بأن الحركة تتعامل مع قادتها كجيل كامل من “شهداء الطوفان”. الصور جسّدت فكرة “تلاحم القيادة مع القاعدة”، ورسالة مفادها أن المقاومة رغم خسارتها أبرز رموزها، فإنها مستمرة وتستند إلى إرثهم.
اللافت أن الصور تضمنت للمرة الأولى وجوه قادة ميدانيين مثل رافع سلامة (قائد لواء خانيونس) ورائد ثابت (قائد القوى البشرية)، وهو ما يعكس توجه الحركة لتقديم قياداتها الجديدة للجمهور الفلسطيني والعربي، في محاولة لتأكيد أن غياب القادة الكبار لا يعني فراغًا قياديًا أو انهيارًا تنظيمياً، بل استمرارية منظمة ومؤسسية.
محمد السنوار.. القائد الذي نجا من ست محاولات اغتيال
محمد السنوار، الشقيق الأصغر للشهيد يحيى السنوار، لم يكن شخصية عابرة في صفوف المقاومة. فقد لمع اسمه منذ شبابه المبكر، واعتُقل من قبل الاحتلال وأجهزة السلطة الفلسطينية أكثر من مرة. ورغم ذلك، ظلّ متمسكًا بخيار المقاومة، حتى أصبح من أبرز القادة العسكريين لكتائب القسام.
المعلومات الإسرائيلية تشير إلى أنه كان “العقل المدبر” لعدد من العمليات النوعية، كما رجحت تقارير عبرية أنه تولى القيادة الميدانية لكتائب القسام في غزة بعد استشهاد محمد الضيف. هذا ما جعل استهدافه أولوية قصوى لجيش الاحتلال، الذي حاول اغتياله ست مرات على الأقل، قبل أن ينجح في قتله خلال غارة على مدينة خانيونس في 13 أيار/مايو 2024. نجاته المتكررة من محاولات الاغتيال منحته مكانة خاصة في الوعي الفلسطيني كرمزٍ للتحدي والصمود.
من هنية إلى الضيف.. جيل الشهداء الكبار
استشهاد محمد السنوار جاء ضمن سلسلة اغتيالات نفذتها إسرائيل استهدفت القيادة العليا لحماس، بدءًا من إسماعيل هنية الذي استشهد في قصف بالدوحة، ومرورًا بـ محمد الضيف، قائد أركان القسام، ونائبه مروان عيسى، وصولًا إلى يحيى السنوار نفسه. إسرائيل سعت عبر هذه الضربات إلى توجيه “ضربة قاضية” للحركة، عبر تصفية جيل كامل من قياداتها.
لكن إعلان “حماس” عن استشهاد قادتها، مقترنًا بنشر صورهم وتكريمهم في فيديو كليب بعنوان “سيد الشهداء”، كان بمثابة تحدٍّ مباشر للرواية الإسرائيلية. فبدل أن تظهر الحركة كتنظيم منهك، حاولت تحويل اغتيال قادتها إلى رمز لصمودها وتضحياتها. هذه الاستراتيجية الإعلامية أعادت إلى الأذهان ما فعلته حركات تحرر كبرى في التاريخ، حيث تحوّل اغتيال القادة إلى وقود لاستمرار المعركة.
بين الرسالة السياسية والتأثير الشعبي
من الناحية السياسية، يحمل إعلان “حماس” رسالة واضحة مفادها أن استهداف القادة لن يوقف مسيرة المقاومة. بل إن الحركة تحاول أن تقول إن دماء قادتها وقواعدها على حد سواء تشكل “سلسلة واحدة” من التضحيات. داخليًا، يساهم هذا الإعلان في تعزيز معنويات الشارع الفلسطيني، خصوصًا في غزة، حيث يُنظر إلى القادة الشهداء كرموز للصمود في وجه الاحتلال.
على المستوى الشعبي العربي والإسلامي، فإن نشر الصور الجماعية لقيادات حماس الشهداء يعزز من صورة الحركة كـ”حركة فداء”، قادتها في مقدمة الصفوف ولا يعيشون في أبراج عاجية. وهذا البعد الرمزي قد يكون أكثر تأثيرًا من أي خطاب سياسي أو عسكري.
تضحيات المقاومة والبعد المستقبلي
المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس، قدمت في العقد الأخير سلسلة طويلة من التضحيات، لكن معركة “طوفان الأقصى” شكّلت محطة فاصلة، إذ فقدت الحركة أبرز قادتها السياسيين والعسكريين. ومع ذلك، ما يظهر من خطابها وإعلامها هو التركيز على “تجديد الدماء”، وإبراز قيادات ميدانية جديدة لم تكن معروفة من قبل.
هذا المسار يشير إلى أن الحركة تحاول التأسيس لمرحلة ما بعد الجيل المؤسس، مستندة إلى كوادرها الميدانية. فبينما تعتقد إسرائيل أنها نجحت في قطع “رأس الأفعى”، تبدو حماس وكأنها تراهن على “شبكة ممتدة” من القيادات الميدانية التي يصعب استئصالها دفعة واحدة.
خاتمة
إعلان حماس عن استشهاد محمد السنوار، ونشر صور قياداتها الشهداء، لم يكن مجرد اعتراف بخسارة كبيرة، بل كان رسالة مركبة تحمل معاني الصمود والاستمرارية والتحدي. الحركة تحاول تحويل الدماء إلى وقود، والاغتيالات إلى رموز. فمحمد السنوار الذي أفلت من ست محاولات اغتيال لم يغادر المشهد إلا شهيدًا، ليبقى في الوعي الفلسطيني والعربي كقائد قدّم حياته دفاعًا عن قضية يرى أنها أكبر من أي فرد أو قائد. ومع استمرار المعركة، يبدو أن إسرائيل وإن نجحت في تصفية قيادات، إلا أنها لم تستطع كسر روح المقاومة التي أصبحت اليوم أكثر تنظيمًا واستعدادًا لتجاوز غياب قادتها.
اقرأ أيضًا : فقدان 4 جنود إسرائيليين في غزة.. هل وقعت عملية أسر جديدة؟