أكدت حركة حماس، في بيان رسمي، أن خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يرسم صورة عزلة دبلوماسية لإسرائيل، وأن أي محاولة لزرع «حكومة عميلة» في غزة ستصطدم برفض شعبي وطني عميق لا يمكن تجاوزه. 

بيان الحركة احتوى على لهجة متوازنة بين الاستنكاف السياسي والتصعيد الإعلامي؛ إذ ربطت هجوم الخطاب بتكرار روايات وادعاءات تستخدم لتبرير جرائم الاحتلال، وأعادت التأكيد على أن «الشعب الفلسطيني لن يسمح لأي وصاية أو تبعية فرضها الاحتلال أو حلفاؤه».

مخططات لإدارة القطاع

تأتي تصريحات حماس في ظل تداول تقارير عن مخططات دولية لإدارة مؤقتة لغزة بعد الحرب، منها ما نسبته تقارير عبرية إلى فرض إشراف لشخصيات وسيطة وغربيات على إعادة الإعمار وإدارة القطاع (منها حديث عن دور محتمل لتوني بلير). حركة حماس رفضت هذه الروايات بحدة، واصفةً إياها محاولة لتفريغ المقاومة من حضورها السياسي والاجتماعي واستبداله بهياكل خارجية تكون بمثابة غطاء للسيطرة على مقدرات الناس ومقدرات القرار. وفي المقابل شددت الحركة على أن من يريد إعادة إعمار غزة فعليًا يجب أن يكفّ عن شراكة الإبادة والتجويع، وأن يعيد للمدنيين حقوقهم في العيش والكرامة قبل أي حديث عن إدارة أو إشراف.

لا يقل أهمية عن الخطاب الرسمي ما قاله القيادي غازي حمد في مقابلته مع شبكة «سي إن إن» عندما أعلن أن حماس «مستعدة للخروج من حكم غزة» — صياغة أثارت ردودًا متباينة داخل الساحة الفلسطينية والإقليمية. الحملة الإعلامية الإسرائيلية والغربية قد تلفت هذه العبارة لتبدو كــ«استسلام سياسي» أو تنازل، لكن قراءة أكثر تحفّظًا تشير إلى أن تصريح حمد يأتي كجزء من مناورة تفاوضية: موقف تفاوضي قابل للتوظيف في محادثات تبادل أسرى أو ترتيبات مستقبلية، لكنه مشروط بوقف القصف وإعادة الحقوق ورفع الحصار. ولذلك، فإن استعداد حماس المحتمل للانسحاب لا يعني تفكيك حضورها الشعبي أو تهميش دورها التاريخي في النسيج الفلسطيني، بل قد يكون ممهداً لآلية انتقال سياسي جديدة — لكن على شروط فلسطينية لا تُفرَض من الخارج.

المعركة الحقيقية

المعركة الحقيقية هنا ليست فقط بين حماس و«اقتراحات الإدارة المؤقتة»، بل بين مشروعين متناقضين: مشروع سيادي فلسطيني يرفض الوصاية ويطالب بالسيطرة المحلية على مصير القطاع، ومشروع دولي-إقليمي يسعى إلى تحويل غزة إلى منطقة محض إدارة فنية مع إعادة إعمار مشروطة بتحكم أمني وسياسي خارجي. التصادم بين المشروعين يعكس صراعًا أوسع على مفاهيم السيادة والشرعية والذاكرة السياسية؛ إذ أن أي إدارة تُفرض من الخارج ستُواجه مقاومة مدنية وسياسية، وقد تفتح الباب أمام حالة دائمة من التوتر وعدم شرعية الحكم الجديد.

على مستوى إنساني، يستحيل فصل أي نقاش عن الأرقام والدماء: القصص عن الأطفال والنساء والمجاعة والنازحين هي خلفية لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن أي حل سياسي أو إداري. الحركة لم تكتفِ بالدفاع السياسي، بل حمّلت نتنياهو مسؤولية تعطيل صفقات تبادل الأسرى وتعريض حياتهم للخطر بامتناعه عن وقف القصف، ووصفت استغلاله لمصطلح «معاداة السامية» بأنه «شماعة لتبييض جرائم الحرب» وتبرير لانتهاكات تتكرر منذ أشهر. هذا الخطاب يهدف إلى تحويل النقاش الدولي من ثنائية «أمن vs. إرهاب» إلى محور «احتلال vs. حق حياة وكرامة»، والاحتجاج الفلسطيني في هذه القراءة ليس فقط رفضًا لشكل إدارة، بل رفضًا لآلية تهدف إلى تثبيت الاحتلال وسياساته.

سياسياً، يبقى السؤال الملح: هل ثمة بديل فلسطيني جامع قادر على إدارة المرحلة الانتقالية بقبول داخلي وإقليمي؟ حديث عن مشاركة جزئية للسلطة الفلسطينية أو عن قوى محلية أخرى يطرح نفسه، لكن أي تركيبة جديدة تحتاج لشرعية شعبية وحماية دولية فعلية تُنهي الحصار وتمنع العودة إلى منطق الاحتلال الأمني. وفي غياب ذلك، ستظل أي إدارة «مفروضة» موضع شك واحتقان، وقد تصبح مجرد طبقة إدارية على واقع مكسور لا فرصة فيه لإعادة بناء مجتمع مستقر.

ختامًا، تصعيد حماس في رفض «الحكومة العميلة» وفتحها الباب مبدئيًا لانسحاب من الحكم يمثل قراءة استراتيجية مُعقدة: هي رسالة داخلية لفك الارتباط بين الحركة ودور الحكم المباشر، ورسالة خارجية مفادها أن أي حل يجب أن يحترم حقوق الشعب وكرامته. الميدان، في هذه المرحلة، سيظل الفيصل: إن وُجد توقف قاتل للعدوان وفتح حقيقي للمعابر وشرط لكرامة الناس، فربما تتبلور آليات انتقال مقبولة؛ أما إن استمر القتل والتجويع، فستعرقل أي محاولة لإقصاء قوى المقاومة عن المشهد السياسي، مهما حاولت الضغوط والإغراءات.

اقرأ ايضًا : مناشدة تحت الأنقاض انتهت بالموت: مأساة المعلمة غادة رباح تجسد فصول الإبادة في غزة