كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن أجواء شديدة التوتر سادت اجتماع المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت)، والذي امتد لأكثر من عشر ساعات، وانتهى بالموافقة على خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاحتلال كامل قطاع غزة، رغم معارضة رئيس الأركان إيال زامير.

وبحسب قناة i24، فإن الخطة التي جرى إقرارها تتضمن ثلاثة محاور رئيسية: تجريد حركة حماس من السلاح بالكامل، واستعادة جميع المخطوفين، وفرض سيطرة أمنية إسرائيلية دائمة على القطاع، مع إنشاء إدارة مدنية بديلة. غير أن هذا الإقرار لم يمر بسلاسة، إذ شهدت الجلسة جدلا حادا، بلغ حد الاتهامات المباشرة والتشكيك في النوايا، في ظل اختلاف الرؤى بين القيادة السياسية والعسكرية.

رئيس الأركان، الذي ظل متمسكا بموقفه، اعتبر أن الخطة تمثل “خطأ إستراتيجيا” سيدخل إسرائيل في “نفق مظلم”، وحذر من أن التوغل في مدينة غزة وضرب بنيتها التحتية المدنية سيؤدي إلى كارثة إنسانية واسعة، فضلا عن تهديد حياة المخطوفين وزيادة الخسائر في صفوف الجيش. هذه التحذيرات، وفق المراسلين العسكريين في القنوات الإسرائيلية، لم تلق آذانا صاغية من وزراء اليمين المتطرف، بل قوبلت بهجوم سياسي مباشر.

تصعيد يميني وضغط سياسي حتى النهاية

مواقف الوزراء إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش كانت الأكثر تشددا، إذ أصروا على المضي بالعملية العسكرية حتى النهاية، ورفضوا أي توقف حتى لو عرضت حماس صفقة أو استسلاما مشروطا. سموتريتش شدد على أن “دفع حماس الثمن حتى النهاية” هو السبيل الوحيد لردعها، محذرا من أي تراجع قد يُفسر على أنه ضعف إسرائيلي.

في المقابل، طرح رئيس الأركان خطة بديلة، تركز على تجنب التوغل العميق في المناطق المدنية الكثيفة، والبحث عن وسائل عملياتية أكثر فاعلية وأقل تكلفة إنسانيا وعسكريا. لكنه واجه حملة تشكيك في نواياه، وصلت إلى حد اتهامه بالتقاعس أو محاولة تجنيب الجيش مواجهة حاسمة.

مراسل القناة 12 للشؤون السياسية، يارون أبرهام، أشار إلى أن الجيش يفتقر لإجابات واضحة من المستوى السياسي حول ما بعد السيطرة الكاملة على غزة، في ظل غياب تصور استراتيجي شامل لإدارة القطاع بعد العملية، وهو ما يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات الاحتلال طويل الأمد المكلف كما حدث في لبنان.

حماس تتحصن واستعداد لمعركة طويلة

على الجانب الآخر، نقل محلل الشؤون العربية في قناة i24، باروخ يديد، عن مسؤول عربي على صلة بقيادة حماس، أن الحركة مستعدة لخوض المواجهة حتى “آخر رصاصة”، مشيرا إلى أن جناحها العسكري يواصل تجهيز الكمائن، وزرع المتفجرات، وتعزيز الحماية على أماكن احتجاز المخطوفين، تحسبا لأي عملية اقتحام.

هذه الاستعدادات، وفق التقرير، تهدف لإطالة أمد المواجهة واستنزاف القوات الإسرائيلية، خصوصا مع علم حماس بأن أي مواجهة طويلة ستضاعف الضغط الشعبي والدولي على حكومة نتنياهو.

الخبير في الأمن القومي كوبي مروم، حذر من أن نتنياهو يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية من خلال تبني خطة اليمين المتطرف، وفي الوقت نفسه يحضر مسبقا لسيناريو تحميل الجيش – وتحديدا رئيس الأركان – مسؤولية أي إخفاق ميداني أو سياسي، واصفا ذلك بأنه “خطير للغاية” لأنه يضرب الثقة بين القيادة السياسية والعسكرية في وقت الحرب.

جيش مرهق وآليات تحتاج صيانة عاجلة

من جانبه، قدم المراسل العسكري للقناة 12، نير دفوري، صورة قاتمة عن وضع الجيش بعد 22 شهرا من الحرب المتواصلة، مشيرا إلى أن القوات النظامية والاحتياط تعاني من الإرهاق الميداني، وأن الآليات العسكرية الثقيلة باتت بحاجة ماسة لصيانة شاملة، وهو ما قد يحد من قدرات الجيش على تنفيذ عمليات واسعة وطويلة الأمد في القطاع.

هذا الوضع يعزز من وجاهة تحذيرات زامير، إذ أن أي عملية برية شاملة في قلب مدينة غزة، في ظل الاستنزاف الحالي، قد تتحول إلى مستنقع دموي دون ضمان تحقيق أهداف سياسية أو أمنية حقيقية، بينما الخسائر البشرية والمادية ستكون هائلة.

خاتمة: مواجهة حاسمة بلا ضمانات للنصر

في المحصلة، يظهر أن الخطة الإسرائيلية لاحتلال كامل غزة تعكس انقساما عميقا بين القيادة السياسية والعسكرية، وتكشف عن غياب رؤية استراتيجية متكاملة لما بعد العملية. في المقابل، تبدو حماس مستعدة لمعركة طويلة الأمد، تستند فيها إلى تكتيكات الاستنزاف وتعقيد المشهد الإنساني والسياسي أمام الاحتلال.

لكن الأخطر هو ما أشار إليه مراقبون من أن نتنياهو، في حال فشل الخطة، سيلجأ لتحميل رئيس الأركان والجيش المسؤولية، ما يعني أن الحرب قد تتحول من مواجهة مع حماس إلى صراع داخلي بين المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل. وبينما يراهن نتنياهو على “النصر المطلق” لإعادة ترتيب أوراقه السياسية، فإن مؤشرات الميدان والواقع الإنساني تنذر بأن الطريق إلى هذا النصر – إن تحقق – سيكون مكلفا للغاية، وربما بلا جدوى إستراتيجية حقيقية.

اقرأ أيضًا : “غاز تحت الضغط”.. كيف تحولت صفقة مصر وإسرائيل إلى أداة نفوذ تهدد أمن الطاقة المصري؟