انتشرت خلال هذا الشهر على مواقع التواصل الاجتماعية صور بدت للوهلة الأولى عادية تمامًا: فناء واسع عند الغروب، سيارة مرسيدس معدّلة تقف في شارع هادئ، ورجل مسن يجلس على أريكة فاتحة اللون ويحمل طفلًا على ركبتيه. مشاهد يمكن أن تبدو كصور من عطلة عائلية صيفية، بعيدة عن الحرب والجوع والمقابر الجماعية والتهجير والانتهاكات التي باتت تختصر مأساة السودان.
لكن الرجل الظاهر في الصور ليس شخصًا عاديًا. إنه محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، قائد ميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، والمرتبطة تاريخيًا بميليشيات الجنجويد. وبينما تظهر الصور حميدتي في أجواء هادئة داخل الإمارات، يستمر السودانيون في دفع ثمن حرب دموية قادتها ميليشياه في دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان والفاشر.
هذه الصور لا تثير سؤالًا شخصيًا عن مكان وجود حميدتي فقط، بل تفتح ملفًا كاملًا عن الدور الإماراتي في حماية وتمويل وتسليح واحدة من أكثر الميليشيات دموية في المنطقة. فظهور قائد ميليشيا متهمة بالإبادة وجرائم الحرب داخل الإمارات لا يمكن التعامل معه كصدفة أو تفصيل جانبي، خصوصًا في ظل تراكم تحقيقات دولية وصحفية وحقوقية تربط أبوظبي بشبكات السلاح والتمويل والدعم اللوجستي التي أبقت ميليشيا الدعم السريع قادرة على القتال والتوسع والتدمير.
في يناير 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على حميدتي بالاسم، بعدما خلصت رسميًا إلى أن عناصر من ميليشيا الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبوا إبادة جماعية في دارفور. جاء القرار بعد ما يقرب من عامين من الحرب، كانت خلالها الانتهاكات المنسوبة للميليشيا قد امتدت عبر مساحات واسعة من السودان، من دارفور إلى العاصمة، ومن الجزيرة إلى الفاشر.
في الجنينة، وثقت هيومن رايتس ووتش حملة تطهير عرقي ضد قبيلة المساليت، شملت عمليات قتل جماعي واغتصاب ونهب وتهجير قسري. كانت تلك واحدة من أبشع حلقات العنف منذ اندلاع الحرب، لكنها لم تكن استثناءً في سلوك ميليشيا الدعم السريع، بل جزءًا من نمط تكرر كلما دخلت الميليشيا منطقة مدنية.
في الخرطوم، سيطرت الميليشيا لشهور على مناطق واسعة من العاصمة. حُولت منازل المدنيين والمباني السكنية إلى مواقع عسكرية ومراكز احتجاز. ومع تقدم الجيش السوداني واستعادة مناطق كانت تحت سيطرة الميليشيا، بدأت تظهر مواقع احتجاز، ومقابر، وجثث، وشهادات ناجين تحدثوا عن التعذيب والتجويع والإذلال والاحتجاز في ظروف وحشية.
وخلال فترة سيطرة الميليشيا على أجزاء واسعة من الخرطوم وأم درمان وبحري، انتشرت عمليات نهب المنازل والممتلكات، واحتلال مساكن المدنيين، وتكررت شهادات عن الاغتصاب والعنف الجنسي. لم يكن الأمر مجرد معارك بين أطراف مسلحة، بل حربًا على المجتمع نفسه: على البيت، والجسد، والكرامة، والذاكرة، وحق الناس في البقاء في مدنهم.
ثم انتقلت الكارثة إلى ولاية الجزيرة بعد دخول ميليشيا الدعم السريع إلى المنطقة في ديسمبر 2023. بلدات وقرى كاملة تعرضت للقتل والنهب والهجمات، ما أجبر مئات الآلاف على الفرار. والمفارقة القاسية أن كثيرين من هؤلاء كانوا قد فروا أصلًا من الخرطوم إلى الجزيرة بحثًا عن الأمان، قبل أن تلاحقهم الميليشيا إلى المكان الذي ظنوه ملاذًا.
في يونيو 2024، تحولت ود النورة إلى واحدة من أشهر المجازر التي ارتكبتها الميليشيا في الولاية. وبعد أشهر، اجتاحت موجة جديدة من الهجمات قرى شرق الجزيرة، وكانت السريحة من بين المجتمعات التي تعرضت لعمليات قتل واسعة. امتد العنف عبر عشرات القرى والبلدات، وسط تقارير عن القتل والنهب والحرق والعنف الجنسي والتهجير القسري.
النمط كان واضحًا ومتكررًا في مناطق مختلفة من السودان: تدخل ميليشيا الدعم السريع إلى المجتمعات المدنية، ثم تبدأ عمليات القتل والنهب، وتُحتل المنازل، ويُحتجز الناس، وتظهر روايات العنف الجنسي، ثم يُجبر السكان على ترك بلداتهم وقراهم. إنها ليست أخطاء فردية أو تجاوزات ميدانية، بل طريقة حرب قائمة على تدمير المجتمعات وإخضاعها.
أما الفاشر، فقد أصبحت واحدة من أكثر فصول هذه الحرب دموية. بعد حصار طويل، سقطت المدينة في يد ميليشيا الدعم السريع. وثق محققون تابعون للأمم المتحدة مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى، بينما ظل مصير نحو 150 ألف من السكان مجهولًا. ولاحقًا، خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان إلى أن الانتهاكات المرتكبة هناك تحمل سمات الإبادة الجماعية.
ومع اتساع رقعة الجرائم واستمرار الحرب عامًا بعد عام، أصبح السؤال الأساسي أمام التحقيقات الدولية هو: من أين تحصل هذه الميليشيا على السلاح والمال والإمدادات التي تسمح لها بمواصلة القتال على كل هذه الجبهات؟
ميليشيا الدعم السريع استمرت في القتال في دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان والفاشر، وحصلت على أسلحة وذخائر ومركبات ومسيّرات، واستعانت أيضًا بمقاتلين أجانب. لم تكن هذه القدرة ممكنة دون شبكة إمداد واسعة تتجاوز حدود السودان. ومنذ الأشهر الأولى للحرب، بدأت الأدلة تتراكم حول دور الإمارات في شبكة الدعم التي أبقت الميليشيا على قيد العمل العسكري.
في تقرير مؤرخ في 15 يناير 2024، قال فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان إن المعلومات التي جمعها بشأن نقل أسلحة وذخائر إلى ميليشيا الدعم السريع عبر مطار أم جرس في شرق تشاد كانت “موثوقة”. هذا المطار أصبح لاحقًا أحد الأسماء المركزية في التحقيقات التي تتبع مسارات الدعم والإمداد المرتبطة بالميليشيا.
في يوليو 2024، نشرت The Guardian تحقيقًا عن جوازات سفر ووثائق إماراتية عُثر عليها بين معدات مرتبطة بالميليشيا في السودان. وفي سبتمبر، حققت The New York Times في نشاط الإمارات في أم جرس، والاتهامات بأن العملية الإنسانية هناك كانت تعمل بالتوازي مع خط إمداد يزود الميليشيا بالسلاح والدعم.
وفي الشهر التالي، نشرت The Washington Post تحقيقًا استند إلى أسلحة استولى عليها الجيش السوداني، وإلى تقييمات وتقارير أمريكية، وربط معدات وذخائر عُثر عليها في يد ميليشيا الدعم السريع بالإمارات. ثم في نوفمبر 2024، حددت Amnesty International نظام الدفاع الفرنسي الصنع Galix مركبًا على عربات Nimr Ajban المدرعة المصنعة في الإمارات، والتي استخدمتها الميليشيا.
لاحقًا، كشفت بيانات الطيران بعدًا آخر من شبكة الدعم. ففي ديسمبر 2024، تتبعت Reuters ما لا يقل عن 86 رحلة من الإمارات إلى أم جرس منذ بداية الحرب. كان عدد كبير من هذه الرحلات تشغله شركات سبق أن ربطتها تقارير الأمم المتحدة بعمليات نقل أسلحة في المنطقة. كما ساهم الباحث Justin Lynch في تتبع وتحليل شبكات الطيران والإمداد التي تربط هذه المسارات بميليشيا الدعم السريع.
بحلول أوائل 2025، وصل الملف إلى مستوى التدقيق الرسمي في واشنطن. ففي 24 يناير، قال السيناتور Chris Van Hollen والنائبة Sara Jacobs إنهما، بناءً على إحاطة من إدارة بايدن وتقارير أخرى، تأكدا من أن الإمارات تواصل تزويد الميليشيا بالسلاح، رغم تعهدات سابقة قدمتها لواشنطن بأنها ستتوقف.
وخلال الأشهر التالية، ظهرت أدلة إضافية من مخازن الأسلحة وقوافل الإمداد نفسها. في أبريل 2025، تتبع تحقيق لفريق France 24 Observers قذائف هاون بلغارية الصنع عُثر عليها في دارفور إلى صفقة تضمنت مشتريًا إماراتيًا، مع إدراج القوات المسلحة الإماراتية في الوثائق باعتبارها المستخدم النهائي.
وفي 29 أبريل، نشرت Reuters، في تحقيق شارك فيه الصحفي Reade Levinson، أن فريق خبراء الأمم المتحدة يدرس كيف انتهت ذخيرة بلغارية صُدرت رسميًا إلى الإمارات داخل قافلة إمداد تابعة لميليشيا الدعم السريع في دارفور. وقالت بلغاريا إنها لم تسمح أبدًا بإعادة تصدير تلك الذخيرة إلى السودان.
وفي مايو 2025، حددت Amnesty International قنابل موجهة صينية الصنع من طراز GB50A ومدافع هاوتزر AH-4 عيار 155 ملم في حوزة ميليشيا الدعم السريع. وخلصت المنظمة إلى أن هذه الأسلحة أُعيد تصديرها إلى السودان “شبه مؤكد” عبر الإمارات.
ومع اتساع التحقيقات، ظهرت شبكة أكبر لا تقتصر على السلاح، بل تشمل المرتزقة والتمويل والشركات والمسارات اللوجستية الإقليمية. فمنذ عام 2024، كشفت وسيلة التحقيق الكولومبية La Silla Vacía تفاصيل تجنيد جنود كولومبيين سابقين للقتال إلى جانب ميليشيا الدعم السريع. وتتبعت تحقيقات لاحقة الشبكات المستخدمة لتجنيد هؤلاء المقاتلين ونقلهم، مع تكرار ظهور شركات ومسارات مرتبطة بالإمارات في التقارير.
كما حققت Bellingcat في الأسلحة ومسارات الإمداد المرتبطة بالميليشيا، بينما كشف تحقيق مشترك لـLighthouse Reports وشركائها عن معسكرات تدريب ومواقع لإعداد الأسلحة والمركبات وقوافل إمداد في شرق ليبيا مرتبطة بميليشيا الدعم السريع، إلى جانب مرتزقة كولومبيين يعملون ضمن الشبكة نفسها.
وعلى الجانب المالي، وثقت The Sentry شبكات تشمل شركات وتجارة ذهب وتمويلًا وعقارات مرتبطة بقيادات بارزة في ميليشيا الدعم السريع، بما في ذلك أعمال وأنشطة تعمل من داخل الإمارات. هذه النتائج أضافت بعدًا ماليًا وتجاريًا إلى الصورة العسكرية واللوجستية، وكشفت أن دعم الميليشيا لا يمر فقط عبر صناديق الذخيرة والطائرات، بل عبر الذهب والشركات والعقارات والواجهات التجارية.
في أكتوبر 2025، ذكرت The Wall Street Journal أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية رصدت زيادة في تدفق الأسلحة الإماراتية إلى الميليشيا، بما في ذلك المسيّرات والأسلحة الخفيفة والثقيلة والمركبات والمدفعية وقذائف الهاون والذخائر.
ومع كل ذلك، تواصل الإمارات إنكار تقديم أي دعم عسكري لميليشيا الدعم السريع. لكن الإنكار الإماراتي يصطدم بجبل متراكم من التحقيقات والتقارير التي صدرت عن فريق خبراء الأمم المتحدة، وتقييمات ومصادر أمريكية، ووسائل إعلام كبرى مثل The New York Times وThe Washington Post وThe Wall Street Journal وThe Guardian وReuters وFrance 24، ومنظمات حقوقية وتحقيقية مثل Amnesty International وHuman Rights Watch وLighthouse Reports وBellingcat وThe Sentry.
هذه ليست رواية واحدة ولا مصدرًا واحدًا ولا خصومة سياسية عابرة. إنها مصادر متعددة ومستقلة، استخدمت طرق تحقيق مختلفة: سجلات طيران، وثائق تصدير، تحليل أسلحة وذخائر، سجلات شركات وعقارات، صور أقمار صناعية، وشهادات من الميدان. كل جزء منها كشف جانبًا من شبكة دعم ساعدت ميليشيا الدعم السريع على مواصلة حربها.
وإلى جانب أدلة السلاح والتمويل واللوجستيات، ظهرت مؤشرات مباشرة على وجود حميدتي نفسه داخل الإمارات أثناء الحرب. في يونيو 2025، ذكرت The New York Times، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، أن حميدتي أقام في مقر محمي داخل أبوظبي، حيث سجل خطابات مصورة لمؤيديه في السودان. كما وثقت The Sentry ملكيته الشخصية لثلاث شقق في دبي بالقرب من قاعدة المنهاد الجوية العسكرية.
الصور التي انتشرت هذا الشهر تضيف بعدًا جديدًا إلى تلك التقارير. يظهر حميدتي مرة أخرى داخل الإمارات، لكن هذه المرة ليس في سياق سياسي أو عسكري معلن، بل في صور عائلية هادئة، بينما تستمر الحرب التي تقودها ميليشياه في السودان، وتمتد آثار جرائمها من الجنينة إلى الخرطوم والجزيرة والفاشر.
هذه المفارقة هي لب الفضيحة: قائد ميليشيا معاقب أمريكيًا بالاسم، تتهم ميليشياه بارتكاب إبادة وجرائم حرب وتطهير عرقي، يظهر في الإمارات وكأنه في عطلة عائلية، بينما السودانيون يبحثون عن جثث أبنائهم في المقابر الجماعية، وعن بيوتهم المنهوبة، وعن قراهم المحروقة، وعن نسائهم وأطفالهم الذين دمرت الحرب حياتهم.
الإمارات تحاول دائمًا تقديم نفسها كدولة استقرار وإنسانية ومساعدات، لكنها تظهر في ملف السودان كطرف حاضر في أكثر الأسئلة إلحاحًا: من يمد ميليشيا الدعم السريع بالسلاح؟ من يفتح لها مسارات التمويل؟ من يوفر الغطاء السياسي واللوجستي؟ ومن يسمح لقائدها بأن يظهر داخل أراضيه بينما تتراكم الأدلة على جرائم ميليشياه؟
لا يمكن فصل صور حميدتي في الإمارات عن هذه الخلفية. فالصور ليست مجرد مادة متداولة على السوشيال ميديا، بل قطعة جديدة في لوحة أكبر: لوحة تقول إن مجرمي الحرب لا يجدون فقط المال والسلاح، بل يجدون أيضًا الملاذ والهدوء والحماية، بينما تُترك الشعوب وحدها في مواجهة الدمار.
وفي السودان، لم تعد الجريمة بحاجة إلى مزيد من الشرح. الجنينة تشهد. الخرطوم تشهد. الجزيرة تشهد. ود النورة والسريحة تشهدان. الفاشر تشهد. آلاف القتلى، مئات الآلاف من المفقودين والنازحين، شهادات التعذيب والجوع والاغتصاب، ومسارات الطائرات والأسلحة والذهب والمرتزقة كلها تشير إلى سؤال واحد لا تريد أبوظبي سماعه: كم دليلًا آخر يحتاج العالم قبل أن يتحرك؟
ما يظهر اليوم ليس فقط حميدتي في الإمارات. الذي يظهر هو وجه كامل لتحالف بين المال والسلاح والميليشيا والإفلات من العقاب. تظهر دولة تنكر، بينما تتراكم التحقيقات. تظهر ميليشيا تقتل، بينما يتنقل قائدها في أجواء عائلية هادئة. ويظهر عالم يملك الأدلة، لكنه لا يزال يتصرف كما لو أن السودانيين يحتاجون إلى إثبات جديد بأن دماءهم حقيقية.
الصور الصيفية لحميدتي ليست فضيحة شخصية. إنها اتهام سياسي كامل. اتهام للإمارات التي تحولت، وفق ما تكشفه التحقيقات المتراكمة، إلى ملاذ وشريان دعم لميليشيا متهمة بالإبادة. واتهام للعالم الذي يعرف، ويوثق، ويتتبع الرحلات والأسلحة والشركات والمرتزقة، ثم يترك السودان يحترق.
السؤال لم يعد: أين حميدتي؟
السؤال الحقيقي: لماذا يجد حميدتي مكانًا آمنًا في الإمارات بينما لا يجد السودانيون مكانًا آمنًا في بلدهم؟