يتكشف اليوم مشروع جديد تقوده شخصيات ارتبط اسمها بأكثر الصفحات دموية في الشرق الأوسط، حيث يظهر جاريد كوشنر -صهر ترامب- وتوني بلير في صدارة خطة لإقامة سلطة غربية مفروضة على غزة، في مشهد يعيد إلى الأذهان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وما تبعه من سلطة مؤقتة عُرفت بـ “سلطة الائتلاف المؤقتة”. الخطة التي تتحدث عنها الدوائر الغربية تُقدَّم باعتبارها رؤية لإعادة إعمار القطاع وتهيئته لمستقبل مختلف، لكنها في حقيقتها لا تحمل سوى إعادة إنتاج لوصاية استعمارية جديدة تنزع من الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم.

جوش بول، الذي خدم كمستشار أمني في سلطة الاحتلال الأمريكي بالعراق، يروي تجربته الشخصية ليكشف مدى عبثية مثل هذه المشاريع. يصف كيف طُلب منه في بغداد أن يضع سياسة للشرطة العراقية بشأن الضابطات الحوامل وهو في السادسة والعشرين، لا خبرة له لا بالشرطة ولا بالحمل ولا بالعراق، فقط لأنه كان جزءًا من سلطة الاحتلال. ويرى أن الأمر يعاد اليوم بصياغة مختلفة في غزة: حكومة انتقالية يقودها توني بلير، أحد مهندسي غزو العراق، بمزاعم إعادة الإعمار والازدهار الاقتصادي، لكن من دون أي صلة بالواقع الفلسطيني أو بحقوق الشعب الذي يعيش تحت الركام.

جوهر المشكلة، كما يوضح بول، يكمن في الشرعية والملكية المحلية. فحق تقرير المصير ليس مجرد بند في ميثاق الأمم المتحدة، بل هو رغبة أصيلة لدى الشعوب في إدارة شؤونها بنفسها. وكل سلطة مفروضة من الخارج، قائمة على قمع الحرية والتربح من الموارد، لا يمكن أن تكون مقبولة أو مستدامة. سلطة كهذه ستكون أشبه بزرع غريب في جسد حي، سرعان ما يرفضه الجسم ويطرده، لتبدأ حلقة جديدة من العنف والفوضى.

لكن الأمر ليس بلا مستفيدين. فشركاء بلير في هذا المشروع، وعلى رأسهم جاريد كوشنر وصهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ينظرون إلى غزة باعتبارها “أرضًا ساحلية ذهبية” لا أكثر، بقعة مطلة على البحر تصلح لمشاريع عقارية مربحة، وليست مجتمعًا نابضًا بالحياة يمتد تاريخه إلى آلاف السنين. في أعينهم، ما دمرته الطائرات الإسرائيلية لا يُرى إلا كأرض ممهدة لمشاريع عقارية سياحية على شاكلة “ريفيرا غزة”.

الطرح يبدو مغريًا للبعض، خاصة في ظل حجم الخراب الهائل الذي لحق بالقطاع. لكن هذا “الحلم” يعتمد على شرط أساسي تفرضه إسرائيل: لا دولة فلسطينية، ولا سيطرة فلسطينية على غزة. وما لم توافق عليه تل أبيب، فلن يدخل القطاع أي حجر إعمار، ولن يُسمح بمرور أي مواد بناء أو جهود جدية لإعادة ما دُمر.

العالم ليس مضطرًا للرضوخ لهذا النموذج من الاستعمار المغلف بخطاب التنمية. هناك بدائل قائمة، أبرزها الخطة العربية بقيادة مصر التي تدعو إلى تشكيل حكومة فلسطينية انتقالية تكنوقراطية تقود إلى استعادة حكومة منتخبة ديمقراطيًا، مع إعمار حقيقي تنفذه وتديره الكفاءات الفلسطينية نفسها. هذا المسار لا يعد بالربحية الفاحشة للمستثمرين، لكنه يضمن إعادة الحق لأصحابه ويعطي الفلسطينيين القدرة على النهوض مجددًا بأيديهم.

الخياران واضحان: إما مشروع كوشنر وبلير الذي يمثل جريمة أخلاقية وكارثة سياسية، أو طريق يعيد للشعب الفلسطيني حقه ويستجيب لتطلعاته. آلاف الفلسطينيين ما زالوا تحت الأنقاض، وآلاف آخرون يتطلعون لإعادة البناء. لا يمكن بناء ريفيرا على عظام الموتى، ولا يمكن تشييد احتلال على طموحات الأحياء.