في مشهد غير مألوف داخل شركة بحجم مايكروسوفت، تصاعدت الاحتجاجات الداخلية ضد سياساتها المرتبطة بتقديم خدمات تكنولوجية لجيش الاحتلال الإسرائيلي. وخلال 48 ساعة فقط، أقدمت الشركة على فصل أربعة موظفين، اثنان منهم شاركوا في مظاهرة داخل مقرها الرئيسي في واشنطن يوم 26 أغسطس/آب الجاري، واثنان آخران جرى فصلهم لاحقًا بدعوى “انتهاكات جسيمة لسياسات الشركة ومدونة قواعد السلوك”.
المتحدث باسم مايكروسوفت، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أوضح أن هذه التصرفات “تعرّض سلامة الموظفين للخطر بشكل كبير”، في تبرير لقرارات وُصفت بأنها قمعية تهدف إلى كبح أي معارضة داخلية متنامية ضد التعاون مع الاحتلال.

 

جذور الاعتراض: التكنولوجيا في خدمة الحرب

الاحتجاجات لم تأتِ من فراغ. فمنذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تزايدت التقارير عن استخدام الاحتلال الإسرائيلي البنية التحتية السحابية والخدمات التقنية المقدمة من مايكروسوفت.
صحيفة “غارديان” البريطانية نشرت تحقيقًا كشف أن الاحتلال يستخدم منصة “آزور” التابعة للشركة لتخزين مكالمات هاتفية للفلسطينيين ضمن منظومة مراقبة واسعة. أما وكالة أسوشيتد برس فأكدت أوائل 2025 أن نماذج الذكاء الاصطناعي المطورة من مايكروسوفت وOpenAI جرى توظيفها في برنامج عسكري إسرائيلي لاختيار أهداف القصف في غزة ولبنان.
هذه المعطيات عززت قناعة المحتجين بأن مايكروسوفت لم تعد مجرد شركة تكنولوجيا محايدة، بل شريكًا مباشرًا في الحرب، من خلال تزويد الاحتلال بأدوات رقمية تعزز عملياته العسكرية وتساعد في استهداف المدنيين.

من المظاهرة إلى الفصل

المشهد الاحتجاجي في مقر مايكروسوفت لم يكن عادياً. موظفون حاليون وسابقون، إلى جانب ناشطين، اقتحموا المقر ورفعوا شعارات تطالب بقطع التعاون مع إسرائيل وتعويض الفلسطينيين عن “الجرائم المرتكبة باستخدام منتجات الشركة”.
الشرطة الأمريكية تدخلت سريعًا واعتقلت سبعة أشخاص داخل مكتب براد سميث، نائب رئيس مجلس إدارة مايكروسوفت. إلا أن صدى المظاهرة ظل يتردد، خصوصًا بعد أن اختارت الشركة معاقبة موظفيها بفصلهم، ما اعتُبر رسالة ترهيب لكل من يفكر في تحدي السياسات الداخلية.
اللافت أن بيان الشركة لم يُشر إلى الاحتلال أو إلى طبيعة التعاون مع الجيش الإسرائيلي، بل ركز على “انتهاكات لسياسات الشركة” و”الإضرار بسلامة الموظفين”، ما بدا وكأنه محاولة للتغطية على السبب الحقيقي وراء الأزمة.

انتقادات متصاعدة

قرار مايكروسوفت واجه سيلًا من الانتقادات. ناشطون حقوقيون وصفوا الأمر بأنه تكميم للأصوات المعارضة للحرب، فيما أكد محللون أن الشركة تحاول حماية مصالحها مع الاحتلال، خاصة وأن إسرائيل تعد سوقًا نشطًا للتكنولوجيا الأمنية.
الاحتجاجات ترافقت مع دعوات أوسع داخل الولايات المتحدة لمساءلة شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل وأمازون، عن دورها في دعم الاحتلال. فقد سبق أن واجه مشروع “نيمبوس” بين غوغل وأمازون وإسرائيل انتقادات مماثلة، ما يعكس اتجاهًا أوسع لمحاولة إخضاع القطاع التكنولوجي لرقابة أخلاقية أكبر.
لكن مايكروسوفت، بخلاف شركات أخرى، اختارت التصعيد ضد موظفيها، وهو ما جعلها في مرمى اتهامات بأنها شريك متواطئ في إبادة الفلسطينيين، وليست مجرد مزود خدمات تقنية.

التكنولوجيا كسلاح صامت

الأزمة الأخيرة تسلط الضوء على الوجه الجديد للحروب: لم تعد تعتمد فقط على الطائرات والدبابات، بل أيضًا على الخوارزميات والسيرفرات. فالتقارير تؤكد أن الاحتلال يوظف الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف بدقة أكبر، وإن كان الثمن باهظًا: آلاف المدنيين الفلسطينيين الذين سقطوا ضحايا لهذه التكنولوجيا.
الإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية تكشف أن الإبادة الإسرائيلية خلّفت حتى الآن أكثر من 62 ألف شهيد و159 ألف جريح، غالبيتهم نساء وأطفال، إلى جانب آلاف المفقودين ومئات آلاف النازحين. هذه الأرقام، حين تُربط باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي أمريكية، تضع مايكروسوفت أمام سؤال أخلاقي وجودي: هل تحولت منتجاتها إلى أدوات قتل جماعي؟

البعد السياسي والاقتصادي

من الناحية الاقتصادية، تربط مايكروسوفت مصالح واسعة مع إسرائيل، فهي تستثمر منذ سنوات في مراكز أبحاث وتطوير داخل الأراضي المحتلة، وتشغّل آلاف المهندسين هناك. هذا يجعل أي حديث عن قطع التعاون مع الاحتلال أمرًا غير واقعي من وجهة نظر الإدارة العليا.
أما سياسيًا، فإن دعم الإدارة الأمريكية غير المشروط لإسرائيل يوفر مظلة حماية لهذه الشركات، ويجعلها أكثر جرأة في مواجهة الانتقادات. فالبيت الأبيض، بدلًا من الضغط على مايكروسوفت أو غيرها، يواصل تقديم الدعم العسكري والسياسي للاحتلال، ما يضعف أي محاسبة حقيقية.

خاتمة: معركة الأخلاق والربح

فصل أربعة موظفين قد يبدو حدثًا صغيرًا أمام مئات الآلاف من ضحايا الإبادة في غزة، لكنه يعكس معركة أعمق تدور داخل الشركات التكنولوجية العالمية: معركة بين قيم أخلاقية يرفعها موظفون وناشطون، وبين حسابات ربحية واستراتيجية لا تعير اهتمامًا لحقوق الإنسان.
قرار مايكروسوفت يُظهر أن الشركة اختارت الانحياز لمصالحها مع الاحتلال على حساب حرية موظفيها وحقوق الفلسطينيين، ما يجعلها متورطة في “إبادة صامتة” تُنفذ عبر الأكواد والسيرفرات.
السؤال المطروح الآن: هل ستبقى هذه الأصوات المعارضة مجرد حالات فردية تنتهي بالفصل، أم أن الضغط سيتراكم ليجبر مايكروسوفت وبقية عمالقة التكنولوجيا على إعادة النظر في شراكات الدم التي تربطها بالاحتلال؟

اقرأ أيضًا : لندن تُحاكم أنصار فلسطين أكشن: بين قمع الحرية وانهيار رواية الاحتلال