التقى مشايخ من الجاليات الإسلامية في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وبريطانيا -في وقت سابق من هذا الأسبوع- برئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوج في تل أبيب، في خطوة تفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات خطيرة حول أهداف هذه اللقاءات وتوقيتها، خاصة أنها تجري برعاية إماراتية مباشرة عبر منظمات غير حكومية ومراكز فكرية مثل مركز “هداية”، وهو مؤسسة تتستر وراء شعارات مثل “مكافحة التطرف العنيف” و”التسامح الدولي” بينما تمارس فعليًا دورًا سياسيًا مفضوحًا في تبييض وجه الاحتلال والترويج لخطاب التطبيع من داخل المجتمعات الإسلامية في الغرب.
اللقاء جاء في ذروة المجازر الإسرائيلية المتواصلة ضد المدنيين في قطاع غزة، حيث تستمر حرب الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي أسفرت حتى الآن عن أكثر من 202 ألف شهيد وجريح فلسطيني، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، إلى جانب أكثر من 11 ألف مفقود، ومجاعة خانقة قضت على حياة الآلاف وسط صمت دولي وعجز قانوني رغم صدور أوامر واضحة من محكمة العدل الدولية بوقف الحرب فورًا.
نشر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج عبر صفحته الرسمية على منصة “إكس” مقطعًا للإمام الفرنسي المثير للجدل حسن شلغومي وهو يوجّه كلمات وصفت بالمستفزة قال فيها: “أنتم تمثلون عالم الأخوة، عالم الإنسانية، عالم المحبة، عالم الديمقراطية، عالم الحرية”، في خطاب يتجاهل كل الحقائق المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى وتدمير المساجد في قطاع غزة. هرتسوج علّق على اللقاء معتبرًا أنه جمع أئمة من مختلف أنحاء أوروبا ممن يقفون “بشجاعة ضد التطرف ويدافعون عن التعايش بين الأديان”، مضيفًا أن “إسرائيل هي بلد يعيش فيه المسلمون واليهود جنبًا إلى جنب، وأن الجميع سيشهد أيامًا أفضل مع عودة الرهائن ونهاية الصراعات والمعاناة”، وفق تعبيره الذي يأتي في سياق محاولات قلب الحقائق وتقديم صورة وهمية عن الواقع القائم على الاستيطان والقتل والتهجير والتمييز العنصري.
تزامن هذا اللقاء مع تطورات سياسية وإعلامية لافتة، أبرزها إعلان بنيامين نتنياهو عن زيارة قريبة إلى البيت الأبيض، في وقت تستعد فيه الإمارات أيضًا لاستقبال يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية، رغم أنه لا يشغل أي منصب رسمي في حكومة الاحتلال، ما يكشف عن نهج إماراتي واضح في تسويق الكيان الصهيوني كطرف شرعي ومقبول في الإقليم، بغضّ النظر عن تصنيفاته القانونية والإنسانية كقوة احتلال تنتهك القانون الدولي.
الدعم الإماراتي لهذه اللقاءات ليس حدثًا معزولًا بل هو جزء من مشروع أكبر يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي للمجتمعات المسلمة في الغرب، وتقديم الاحتلال بوصفه شريكًا في “السلام” و”الحوار” و”الاعتدال”، مع تجاهل كامل للجرائم اليومية التي ترتكبها إسرائيل في حق الفلسطينيين، ومحاولات تقسيم قطاع غزة والقضاء النهائي على القضية الفلسطينية.
التوغل الصهيوني في المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا بدعم إماراتي مباشر يشير إلى عملية تطبيع ناعمة يجري تمريرها من خلال ما يسمى بمكافحة التطرف وفتح قنوات الحوار بين الأديان، في حين أن الهدف الحقيقي هو شرعنة الاحتلال وإضعاف أي صوت إسلامي معارض له، خصوصًا في مرحلة حرجة تشهد فيها القضية الفلسطينية محاولات إقليمية ودولية لطمسها بالكامل.
لقاء العار الذي تم في تل أبيب ما هو إلا خطوة جديدة في مشروع هندسة سياسية خطير يُطبخ في المطبخ الإماراتي تحت عباءة العمل الثقافي والديني، ويتم تسويقه للمسلمين في أوروبا على أنه جسر للحوار، بينما هو في جوهره بوابة لتفكيك الموقف الإسلامي تجاه فلسطين وحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال.