كشفت التقارير الرسمية الصادرة مؤخراً عن ما أسمته السلطات الأمنية “تفكيك تنظيم إرهابي” يهدف لزعزعة استقرار الدولة، وهو إعلان يأتي في سياق زمني يثير الكثير من التساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء هذه التحركات. ويرى مراقبون أن توقيت الكشف عن هذه “الخلية” المزعومة لا يمكن فصله عن حالة التأزم في السياسات الخارجية، حيث يبدو أن الهدف الأساسي هو تحويل الأنظار عن الإخفاقات الدبلوماسية وتصدير الأزمات الداخلية إلى مشهد من التوتر الإقليمي المصطنع، وتحديداً عبر الدفع نحو مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية المجاورة.
التوظيف السياسي للملف الأمني وأدوات القمع الداخلي
الرواية الرسمية التي تم ترويجها عبر وسائل الإعلام التابعة لحكومة دبي، تضمنت قائمة طويلة من الاتهامات التي تبدو مستنسخة من قضايا سابقة، حيث تركزت على اتهام مجموعة من الأشخاص بتبني أيديولوجيات “متطرفة” وتنفيذ عمليات استقطاب وتجنيد عبر لقاءات سرية. إلا أن التدقيق في طبيعة هذه الاتهامات يكشف عن رغبة واضحة في إحكام القبضة الأمنية وتبرير سياسات القمع ضد أي نشاط قد يفسر على أنه معارض أو مستقل.
الادعاء بأن هؤلاء الأشخاص قاموا بالتواصل مع جهات خارجية بهدف الوصول إلى “مواقع حساسة” هو اتهام فضفاض يمنح الأجهزة الأمنية تفويضاً مفتوحاً لملاحقة المواطنين والمقيمين على حد سواء.
استخدام لغة التهديد والوعيد، ومطالبة المجتمع بالإبلاغ عن “أي نشاط مشبوه”، يعزز من مناخ الخوف ويحول المجتمع إلى أداة رقابية تخدم الأجندة السياسية للسلطة، بدلاً من تعزيز مفهوم الأمن الحقيقي القائم على الشفافية وسيادة القانون.
افتعال الأزمات الإقليمية ومحاولات جر الخليج إلى الصراع
تكمن الخطورة الكبرى في هذا الإعلان الأخير في الإشارة الصريحة إلى ارتباط هذه المجموعة بنظام “ولاية الفقيه” في إيران. هذا الربط المباشر ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو قرار سياسي بامتياز يهدف إلى إشعال فتيل الحرب في المنطقة. يبدو أن هناك رغبة حقيقية من قبل بعض الدوائر الأمنية في الزج بدول الخليج العربي في أتون صراع مسلح لا ناقة لها فيه ولا جمل، وذلك عبر شيطنة الخصوم الإقليميين وتصويرهم كمحرضين دائمين على الانقلابات الداخلية.
محاولة ربط المعارضين الداخليين أو المتهمين في قضايا أمنية بأطراف خارجية مثل إيران، هي سياسة قديمة تهدف إلى شرعنة أي إجراءات استثنائية قد تتخذها الدولة في المستقبل. وبدلاً من انتهاج سياسة الحوار وتبريد الأزمات، تختار السلطات الأمنية التصعيد عبر اختلاق سيناريوهات “تخريبية” تزعم أنها تستهدف الوحدة الوطنية، بينما الحقيقة هي أن هذه السياسات هي التي تمزق النسيج الاجتماعي عبر تخوين فئات من الشعب وربطها بأجندات عابرة للحدود.
التغطية على الإخفاقات الاقتصادية والسياسية بملفات وهمية
لا يمكن تجاهل أن هذا “الضجيج الأمني” يأتي في وقت تعاني فيه السياسة الخارجية من تعثرات واضحة وضغوط دولية متزايدة. لذا، فإن خلق “عدو داخلي” مرتبط بـ “عدو خارجي” هو التكتيك الأمثل لشغل الرأي العام وصرف انتباهه عن القضايا الجوهرية المتعلقة بالحريات العامة، والمستوى المعيشي، والتورط في نزاعات إقليمية استنزفت موارد الدولة.
تتحدث الرواية الأمنية عن “جمع أموال بطريقة غير رسمية” و”نقل أفكار مضللة”، وهي تهم تستخدم عادة لتقييد النشاط المالي والفكري للأفراد. إن الادعاء بأن الهدف من هذه التحركات هو “إظهار الدولة بمظهر سلبي” يوضح الحساسية المفرطة للنظام تجاه أي نقد، ورغبته في السيطرة المطلقة على السردية الإعلامية. فالمواطنة في هذا السياق تُختزل في الولاء المطلق للأجهزة الأمنية، وأي خروج عن هذا الخط يُصنف فوراً كعمل “إرهابي” يستوجب السجن والتشهير.
الخلاصة: الهروب للأمام عبر عسكرة الفضاء العام
في الختام، يظهر بوضوح أن الإعلان عن تفكيك هذه الخلية هو جزء من استراتيجية “الهروب للأمام”. فمن خلال تصوير الدولة كضحية لمؤامرات خارجية معقدة، تحاول السلطات تبرير ميزانياتها الأمنية الضخمة وقوانينها المقيدة للحريات. الزج باسم إيران في هذا التوقيت بالذات يعكس توجهاً خطيراً يسعى لتحويل منطقة الخليج إلى ساحة معركة، خدمةً لمصالح ضيقة تهدف إلى البقاء في السلطة عبر سياسة “الأزمات الدائمة”. إن المطلوب اليوم هو نظرة نقدية لهذه السرديات الأمنية التي غالباً ما تفتقر إلى الأدلة المستقلة وتعتمد كلياً على اعترافات قد تكون انتزعت تحت الضغط في غرف التحقيق المظلمة.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟