في تطور خطير يكشف عمق التنسيق الأمني وتواطؤ السلطة الفلسطينية، اقتحم عشرات المستوطنين الإسرائيليين صباح الخميس باحات المسجد الأقصى المبارك، تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال، في انتهاك صارخ لقدسية المسجد ومشاعر ملايين المسلمين، في ظل صمت رسمي فلسطيني وعربي مطبق، يقابله تصعيد غير مسبوق في عمليات الهدم والاقتحام في الضفة الغربية.

الاقتحام جاء في سياق موجة متصاعدة من الاعتداءات على المسجد الأقصى، حيث أفادت مصادر محلية بأن المستوطنين اقتحموا المسجد على شكل مجموعات منظمة، ونفذوا جولات استفزازية في باحاته، وأدوا طقوسا تلمودية علنية، وسط تواجد أمني مكثف من قوات الاحتلال التي وفرت الحماية الكاملة لهم، في مشهد يعكس تغيراً نوعياً في طبيعة العدوان على الأقصى، وتحولاً نحو فرض وقائع تهويدية مستدامة.

سياسة الهدم والتهويد

هذا الاقتحام ليس معزولاً، بل يأتي في إطار سياسة ممنهجة تقودها حكومة الاحتلال اليمينية بقيادة بنيامين نتنياهو، وبمشاركة نشطة من وزراء متطرفين كإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، تمهيداً للسيطرة الكاملة عليه. 

ويبدو واضحاً أن التوقيت المدروس للاقتحام يستند إلى قراءة إسرائيلية دقيقة لضعف الرد الفلسطيني الرسمي، وتحديداً موقف السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، الذي لا يزال يحافظ على التنسيق الأمني مع الاحتلال حتى في ذروة الجرائم.

في المقابل، تتواصل في الضفة الغربية عمليات الاقتحام والاعتقال والهدم التي تنفذها قوات الاحتلال في عدة مدن وبلدات، بصورة يومية ومتصاعدة، وسط ما يشبه الحرب الشاملة على السكان والبنية التحتية. 

ففي بلدة سعير شمال شرق الخليل، اقتحمت قوات الاحتلال البلدة بعشرات الآليات العسكرية، واحتجزت عدداً من المواطنين، وأخضعتهم لتحقيق ميداني في أحد المقاهي بعد أن استولت عليه، في انتهاك صارخ لحرمة الممتلكات المدنية.

وامتدت الاقتحامات إلى بلدتي يطا والسموع جنوب الخليل، حيث فتشت القوات المنازل وعبثت بمحتوياتها، دون الإبلاغ عن اعتقالات، في مشهد يعكس العقاب الجماعي الذي تمارسه سلطات الاحتلال بحق السكان.

كما داهمت قرية حوسان غرب بيت لحم، واستولت على مركبة ومبلغ مالي يعود للمواطن إبراهيم مسالمة، بعد احتجازه على حاجز “الكونتينر”، ما يؤكد سياسة السطو الممنهج التي تمارسها قوات الاحتلال.

إجراءات تعسفية

وفي مخيم جنين، تدفع قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية وجرافات ثقيلة تمهيداً لهدم عشرات المنازل، حيث أعلنت نيتها هدم 95 منزلاً، في إطار عملية تهجير ممنهجة تستهدف تفريغ المخيم من سكانه. 

وقد بلغ عدد المنازل التي هدمتها قوات الاحتلال في المخيم منذ بدء العدوان في 21 كانون الثاني/يناير الماضي نحو 600 منزل، بحسب بلدية جنين، فيما ارتفع عدد النازحين من مخيمات شمال الضفة إلى 50 ألف نازح.

هذه الإجراءات تؤكد أن الاحتلال لا يكتفي بالقتل والاعتقال، بل يتبع سياسة تدمير شامل لبنية المخيمات الفلسطينية، في محاولة لطمس هويتها الوطنية ومحو ذاكرتها النضالية، وهي سياسة تجد غطاءً فعلياً في صمت قيادة السلطة الفلسطينية، بل ومشاركتها عبر التنسيق الأمني الذي يستهدف مقاومي الضفة، ويسهل عمليات الاحتلال.

وفي مدينة قلقيلية، تكررت مشاهد الاقتحام والمداهمة، حيث اقتحمت قوات الاحتلال المدينة من مدخلها الجنوبي، وانتشرت في حي نزال، وأجرت تحقيقات ميدانية مع عدد من الشبان، دون أن يبلغ عن اعتقالات. 

وقد باتت هذه المشاهد جزءاً من يوميات الضفة الغربية التي تتعرض لعدوان متعدد الأوجه، تقوده آلة الاحتلال بغطاء سياسي أمريكي وصمت دولي، وبتواطؤ من سلطة فقدت شرعيتها الشعبية وأصبحت عبئاً على القضية الفلسطينية.

من جهة أخرى، فإن غياب أي تحرك فعلي من جانب السلطة أو منظمة التحرير، يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى استمرار هذه السلطة التي تبدو اليوم أكثر حرصاً على بقائها الوظيفي من الدفاع عن الأرض والمقدسات. 

فبينما تتعرض الضفة الغربية لعمليات تطهير بطيء، وتُدنس ساحات الأقصى بشكل يومي، يواصل عباس التمسك بخيار التفاوض والالتزامات الأمنية، وكأن الاحتلال لا يهدم البيوت ولا يقتل الأطفال.

وفي ظل هذا المشهد، تزداد الحاجة لبديل وطني يعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال، وينهي حالة الارتهان السياسي التي تمثلها السلطة الحالية. فالصمت في زمن الاقتحام خيانة، والتنسيق الأمني في زمن التهجير والعدوان شراكة في الجريمة.

اقرأ أيضًا : شجاعة أصحاب الأرض.. مقاوم يفجر دبابة ميركافاة بعبوة من مسافة صفر