في وقتٍ تتصاعد فيه اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، وبينما يُمعن جيش الاحتلال في سياسة الهدم والتنكيل، تسجل السلطة الفلسطينية غيابًا تامًا عن واجبها في الدفاع عن الأرض والإنسان، بل وتمضي قدمًا في التنسيق الأمني مع المحتل، وكأنها شريك في الجريمة.

صباح اليوم الثلاثاء، اقتحم مئات المستوطنين باحات المسجد الأقصى تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، بالتزامن مع حملة هدم واسعة طالت منازل فلسطينيين في الضفة الغربية، وسط صمت رسمي من قيادة رام الله، وعلى رأسها محمود عباس.

اقتحامات الأقصى

شهد المسجد الأقصى صباح اليوم اقتحامًا جديدًا من قبل 304 مستوطنين متطرفين، دخلوا من جهة باب المغاربة بحماية شرطة الاحتلال، وأدوا طقوسًا تلمودية استفزازية في باحات الحرم القدسي.

هذا الاقتحام ليس معزولًا عن سياق تهويدي ممنهج تمارسه الحكومة الإسرائيلية، التي تسعى إلى فرض أمر واقع جديد يقوم على التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، كما فعلت سابقًا في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

وتُعد هذه الاقتحامات اليومية، التي تتضاعف في فترات الأعياد اليهودية، محاولة لفرض حضور يهودي بالقوة داخل المسجد، وسط تحذيرات متكررة من دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، التي اعتبرت أن ما يجري هو “مخطط خبيث لتهويد الأقصى وتفريغه من أهله، بدعم رسمي من حكومة نتنياهو المتطرفة”.

الغريب أن هذه الانتهاكات تمر بلا رد حقيقي من السلطة الفلسطينية، التي لا تزال تواصل لقاءاتها الأمنية مع الاحتلال، في مشهد يثير غضب الشارع الفلسطيني الذي يشعر أنه تُرك وحيدًا في الميدان، بينما يتفرج قادته من مقراتهم في رام الله.

سياسة الهدم: تطهير عرقي متدرج في الضفة

في الوقت ذاته، شهدت الضفة الغربية سلسلة جديدة من عمليات الهدم التي تستهدف وجود الفلسطينيين في المناطق المصنفة “ج”، حيث يمنع الاحتلال البناء أو التوسع العمراني بحجة “عدم الترخيص”، رغم أن الحصول على تلك التراخيص شبه مستحيل.

ففي محافظة الخليل، تحديدًا في قرية الزويدين بمسافر يطا، أقدمت قوات الاحتلال على هدم منزلين مأهولين تعود ملكيتهما للمواطنين هاشم وخليل الأتيمين، بالإضافة إلى تدمير خمس بركسات تستخدم لتربية الماعز، وبئر لجمع مياه الأمطار، ما يشكل ضربة مباشرة لمصادر عيش السكان الذين يعانون أصلًا من حصار اقتصادي مستمر.

وفي بلدة قبيا غرب رام الله، هدمت الجرافات الإسرائيلية منزلين آخرين يعودان للمواطنين فرج غيطان وراجح الطاهر، وسط استنفار عسكري ومقاومة رمزية من السكان الذين يواجهون جرافات الاحتلال بأجسادهم العارية.

اللافت أن هذه الجرائم تتم بشكل يومي تقريبًا، ففي اليوم السابق فقط، هدمت سلطات الاحتلال خمسة منازل في بلدة إذنا غرب الخليل. وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت قوات الاحتلال في آذار/ مارس الماضي وحده 58 عملية هدم طالت 87 منشأة، منها 39 منزلًا مأهولًا.

هذه السياسة لا يمكن فصلها عن مشروع الاحتلال الأشمل في الضفة الغربية، والقائم على تفريغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح مشاريع التوسع الاستيطاني، عبر هدم المنازل، ومصادرة الأراضي، ومنع التوسع العمراني، وكل ذلك وسط غطاء سياسي دولي وأميركي، وعجز عربي رسمي.

السلطة الفلسطينية: التنسيق الأمني أولًا

في مقابل هذا التصعيد الإسرائيلي الخطير، تواصل السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس انتهاج سياسة التنسيق الأمني مع الاحتلال، بل وتمنع بشكل ممنهج أي تحرك شعبي من شأنه أن يفجّر انتفاضة جديدة في وجه الاحتلال.

صمت السلطة على ما يحدث في الأقصى، وعلى المجازر اليومية بحق منازل المواطنين، لم يعد يُفسر إلا على أنه تواطؤ صريح، وهو ما تؤكده تصريحات العديد من قادة المقاومة الذين اتهموا قيادة رام الله بـ”العمل كوكيل أمني للاحتلال”.

وعوضًا عن مواجهة جرائم التهويد والهدم، تلاحق أجهزة أمن السلطة النشطاء وتمنع المسيرات المناهضة للاحتلال، وتعتقل مقاومين في الضفة الغربية.

هذه الممارسات دفعت مراقبين إلى التساؤل عن جدوى استمرار السلطة في هذا الشكل، بعد أن فقدت شرعيتها الشعبية، وأصبحت جزءًا من منظومة الضغط على الفلسطينيين بدل أن تكون صوتهم وداعمهم.

الأقصى يصرخ والضفة تنهار.. والقيادة في سبات

إن تكرار الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى، وما يرافقها من عمليات تطهير عرقي ممنهجة في الضفة الغربية، يكشف عن نية إسرائيلية واضحة لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الأراضي المحتلة.

غير أن الأخطر من كل ذلك، هو غياب الموقف السياسي الفاعل من السلطة الفلسطينية، التي باتت شريكًا ضمنيًا في تمكين الاحتلال من فرض مشروعه.

في ظل هذا الواقع، لا يبدو أن الفلسطينيين قادرون على التعويل على قيادة تسعى للتنسيق مع من يهدم بيوتهم فبينما تسقط الجدران وتُنتزع الأراضي، تواصل رام الله لعب دورها كشرطي لاحتواء الغضب، متجاهلةً كل ما يمليه الواجب الوطني.

فهل من صحوة قبل أن يُصبح الأقصى حطامًا؟ وهل تعود المقاومة لتأخذ زمام المبادرة؟ تلك أسئلة مفتوحة على مستقبل يحدده الشارع، لا من يقيم في ظلال التنسيق الأمني.

اقرأ أيضًا : غضب فلسطيني متزايد من محمود عباس.. 78% يطالبون باستقالته