في الوقت الذي كانت فيه الشعوب العربية تملأ الشوارع تضامنًا مع غزة، وتندد بجرائم الاحتلال الإسرائيلي، كشفت صحيفة واشنطن بوست عن وجه آخر للعلاقات الإقليمية، وجهٍ غارق في السرية والتواطؤ.
فبحسب وثائق أمريكية مسرّبة حصلت عليها الصحيفة والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، فإن ست دول عربية – من بينها الإمارات والسعودية ومصر والأردن والبحرين وقطر – كثّفت تعاونها العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية، ضمن مشروع إقليمي تقوده القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) تحت مسمى “البناء الأمني الإقليمي”.
الوثائق المسربة تكشف عن شبكة من الاجتماعات والتدريبات السرية، جرت بعناية فائقة لتجنّب الرأي العام العربي، في حين تواصل تلك الحكومات خطابها العلني بإدانة إسرائيل، وتتهمها بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.

أبوظبي.. العرّاب الصامت
من بين كل الدول المنخرطة في هذا التعاون، برزت الإمارات كالداعم الأول والأكثر نشاطًا، إذ كانت الدولة التي دفعت باتجاه دمج إسرائيل بشكل رسمي في منظومة الأمن الإقليمي التي تشرف عليها واشنطن.
ووفقًا للوثائق، فإن أبوظبي لعبت دور الوسيط بين واشنطن وتل أبيب وعدد من العواصم الخليجية، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع القيادات العسكرية الأمريكية ومشاركتها المبكرة في ما سُمّي بـ”اتفاقيات أبراهام”.
كما أن الإمارات، بحسب التقرير، كانت الجهة الأكثر تمويلاً لبرامج التطوير التقني والتدريبات المشتركة بين ضباط عرب وإسرائيليين في مجالات الدفاع السيبراني وأنظمة الرادار.
وفي أكثر من مناسبة، استضافت أبوظبي اجتماعات مصغرة وصُنّفت بأنها “مدعومة وسرية”، حيث حضرها مسؤولون عسكريون من إسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية أخرى، وفرضت خلالها قيود مشددة على التصوير أو النشر.
الوثائق تشير أيضًا إلى أن الإمارات زودت إسرائيل وجيرانها العرب بمعلومات استخباراتية حول سوريا واليمن، وأخرى تتعلق بتحركات تنظيم داعش، وهو ما يضعها في موقع المنسق الأمني الأول في المنطقة لحساب تل أبيب وواشنطن.
من البحرين إلى قطر.. منظومة أمنية واحدة
التحالف السري امتد إلى نطاق أوسع مما كان متوقعًا. فالتقارير المسربة تتحدث عن شبكة دفاعية موحدة تربط أنظمة الرادار والاتصالات السيبرانية بين إسرائيل وعدة دول عربية، من بينها البحرين وقطر والسعودية والأردن ومصر.
وقد تم ذلك ضمن برنامج أمريكي يهدف إلى إنشاء مظلة إقليمية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، فيما الحقيقة، كما تقول الصحيفة، أن الهدف الأعمق هو دمج إسرائيل أمنيًا في المنطقة دون المرور عبر المسار السياسي التقليدي.
ومنذ عام 2022، تم توحيد البيانات الاستخباراتية بين تلك الدول عبر منصة إلكترونية مشفّرة، تتيح تبادل المعلومات في الزمن الحقيقي، وتربطها مباشرة بواشنطن والعواصم المشاركة في تحالف “العيون الخمس” الاستخباراتي (الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا).
الأمر لم يتوقف عند البيانات الإلكترونية، بل شمل تدريبات ميدانية واسعة – من البحرين إلى قاعدة العديد الجوية في قطر، مرورًا بالأردن ومصر – شاركت فيها قوات إسرائيلية إلى جانب جيوش عربية، تحت إشراف أمريكي مباشر.
تدريبات تستهدف غزة
من أخطر ما كشفته الوثائق، أن بعض التدريبات التي شاركت فيها تلك الدول كانت تحاكي سيناريوهات عسكرية مشابهة لتكتيكات المقاومة في غزة.
ففي أحد الاجتماعات العسكرية التي عُقدت بقاعدة “فورت كامبل” في ولاية كنتاكي الأمريكية، أجرى ضباط من السعودية والإمارات وإسرائيل والأردن ومصر تدريبات على كشف الأنفاق الهجومية وتدميرها، وهي التقنية نفسها التي تستخدمها حماس في مقاومتها للاحتلال.
وفي تدريب آخر أُقيم في مصر في سبتمبر الماضي، شاركت قوات من الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية والأردن واليونان والهند وبريطانيا، حيث تم التركيز على “التنسيق العملياتي في بيئة حضرية”، أي حرب المدن، وهو وصف ينطبق تمامًا على ما يجري في غزة.
ويؤكد محللون أن تلك التدريبات تمثل دعمًا غير مباشر لآلة الحرب الإسرائيلية، لأنها توفر خبرات ميدانية وأمنية قد تُستخدم لاحقًا في توجيه الضربات ضد الفصائل الفلسطينية.
ازدواجية الخطاب العربي
رغم هذا التعاون العميق، حافظت الحكومات العربية المعنية على خطاب مزدوج أمام الرأي العام.
ففي الوقت الذي كانت أبوظبي والرياض تشاركان في غرف عمليات مشتركة مع تل أبيب وواشنطن، كانت بيانات وزارات خارجيتها تهاجم إسرائيل لفظيًا.
فقد اتهمت السعودية الاحتلال بـ”تجويع الفلسطينيين والتطهير العرقي”، فيما وصف أمير قطر العدوان بأنه “حرب إبادة”.
لكن الوثائق الأمريكية تؤكد أن كل الاجتماعات صنفت بأنها سرية وغير قابلة للنشر، وأن القادة العرب المشاركين تلقوا تعليمات بعدم توثيق أو الإشارة إلى وجود الإسرائيليين في تلك اللقاءات.
وبحسب الصحيفة، فإن واشنطن تنظر إلى هذا الهيكل السري كأداة لتثبيت روايتها حول “التعاون والازدهار الإقليمي”، في مقابل تفنيد الدعاية الإيرانية التي تقدم نفسها كحامية للفلسطينيين.
خاتمة: تحالف ضد الضمير
تكشف هذه التسريبات عن عمق الانفصام بين الموقف الرسمي العربي والخطاب الشعبي، إذ باتت بعض الأنظمة تتعامل مع إسرائيل كشريك أمني لا كعدو، وتُسهم فعليًا في دعمها خلال حرب إبادة تخوضها ضد الفلسطينيين.
وتأتي الإمارات في مقدمة هذه الدول، حاملة راية “السلام” علنًا، بينما تُنسّق سرًا مع الاحتلال في برامج تدريب استخباراتي ودفاع سيبراني، لتتحول إلى الركيزة الأساسية للنفوذ الإسرائيلي في الخليج.
هذه الحقائق تعيد طرح سؤال جوهري: هل ما زالت فلسطين قضية مركزية في العالم العربي؟ أم أن بعض العواصم قررت دفنها في غرف العمليات المشتركة تحت شعار “الاستقرار الإقليمي”؟
الوثائق المسربة تجيب بوضوح مؤلم: التحالفات تتشكل في الظل، والضمير العربي يُدار من غرفٍ مغلقة.
اقرأ أيضًا : صمود المقاومة.. حماس تتمسك بالسلاح وتستعد لجولة تفاوضية “أصعب”