في حادثة خطيرة تعكس تعقيدات المشهد الأمني في قطاع غزة، أعلنت وزارة الداخلية، صباح الأحد، اغتيال المقدم في جهاز الأمن الداخلي أحمد زمزم، إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر من قبل مسلحين في مخيم المغازي وسط القطاع. الجريمة، التي وقعت في وضح النهار، فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة الجهات المنفذة، وتوقيتها، والرسائل السياسية والأمنية الكامنة خلفها، خصوصًا في ظل الحديث المتزايد عن دور عصابات مسلحة تعمل ضمن أجندات تخدم الاحتلال الإسرائيلي بدعم إقليمي، على رأسه الدعم الإماراتي غير المعلن.

تفاصيل الاغتيال وتحرك الأجهزة الأمنية

وأفادت وزارة الداخلية في بيان مقتضب بأن الأجهزة الأمنية تمكنت من إلقاء القبض على أحد المشتبه بهم فور وقوع الجريمة، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال جارية لكشف ملابسات الحادث ودوافعه والجهات التي تقف خلفه. ورغم عدم الكشف عن تفاصيل إضافية حول هوية المنفذين أو المشتبه به، شددت الوزارة على أن الأجهزة الأمنية لن تتهاون في ملاحقة كل من يثبت تورطه في استهداف الأمن الداخلي أو محاولة العبث بالجبهة الداخلية.

ويُعد المقدم أحمد زمزم من ضباط الأمن الداخلي الذين لعبوا أدوارًا محورية في متابعة الملفات الأمنية الحساسة، خصوصًا تلك المتعلقة بملاحقة شبكات الفوضى والسلاح غير المنضبط، ما يجعله هدفًا محتملاً لجهات تسعى إلى ضرب منظومة الأمن من الداخل.

سياق أمني معقّد وتصفيات مشبوهة

يأتي هذا الاغتيال في سياق أمني شديد التعقيد يشهده قطاع غزة، حيث تتقاطع عدة مسارات خطرة: عدوان إسرائيلي مستمر، محاولات اختراق استخباري، ضغوط اقتصادية خانقة، وسعي متواصل لإرباك الجبهة الداخلية. وعلى مدار السنوات الماضية، تنوعت حوادث الاغتيال في القطاع بين عمليات إسرائيلية مباشرة تستهدف قادة المقاومة عبر القصف الجوي أو الاغتيالات الدقيقة، وبين عمليات تصفية داخلية غالبًا ما تكون مرتبطة بشبكات إجرامية أو خلافات ذات طابع أمني وسياسي.

غير أن اغتيال ضابط في جهاز الأمن الداخلي يحمل دلالات أخطر، إذ يشير إلى محاولة واضحة لضرب العمود الفقري للاستقرار الأمني في غزة، وخلق حالة من الفوضى تضعف قدرة الأجهزة على ضبط الوضع الداخلي، بما يخدم في نهاية المطاف أهداف الاحتلال.

عصابات مسلحة وأدوار إقليمية خفية

في هذا الإطار، تتزايد الاتهامات بوجود عصابات مسلحة منظمة تعمل بتنسيق غير مباشر مع الاحتلال الإسرائيلي، مستفيدة من دعم وتمويل إقليمي، تشير معطيات أمنية متداولة إلى أن دولة الإمارات تلعب دورًا مركزيًا في تغذية هذه الشبكات، سواء عبر قنوات مالية أو عبر توفير غطاء سياسي وإعلامي لأنشطتها، ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تفكيك المجتمعات من الداخل بدل المواجهة العسكرية المباشرة.

وتُتهم هذه العصابات بالعمل على زعزعة الاستقرار، نشر الفوضى، وتنفيذ عمليات اغتيال أو ابتزاز أمني، في محاولة لإظهار قطاع غزة كمنطقة خارجة عن السيطرة، بما يمنح الاحتلال ذريعة لتصعيد عدوانه أو فرض ترتيبات أمنية جديدة تحت مسميات “اليوم التالي للحرب”.

توقيت الاغتيال ورسائله السياسية

لا يمكن فصل توقيت اغتيال المقدم زمزم عن التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة. فقبل يوم واحد فقط، أعلنت إسرائيل استهداف قيادي بارز في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) خلال عملية عسكرية، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر الماضي. هذا التزامن يثير تساؤلات حول وجود غرفة عمليات واحدة تُدار فيها عمليات الاستهداف، سواء كانت مباشرة عبر الطائرات أو غير مباشرة عبر أدوات محلية.

الرسالة تبدو واضحة: الضغط على المقاومة من الخارج، وإرباك الجبهة الداخلية من الداخل، في محاولة لكسر معادلة الصمود التي رسختها غزة خلال سنوات الحصار والحروب.

الأمن الداخلي في مواجهة مخطط الفوضى

رغم خطورة الحادث، تؤكد مصادر أمنية في غزة أن الأجهزة الداخلية لا تزال تسيطر على الوضع، وأن اغتيال ضابط مهما كانت رتبته لن ينجح في كسر المنظومة الأمنية أو دفعها إلى التراجع. بل على العكس، غالبًا ما تؤدي مثل هذه الجرائم إلى تشديد القبضة الأمنية وتسريع تفكيك الشبكات المتورطة.

وتراهن الجهات المعادية لغزة على خلق شرخ بين الأجهزة الأمنية والمجتمع، إلا أن التجربة السابقة أثبتت أن الوعي الشعبي بخطورة هذه المخططات يشكل خط الدفاع الأول في إفشالها.

خلاصة المشهد

اغتيال المقدم أحمد زمزم ليس حادثًا جنائيًا عابرًا، بل حلقة ضمن صراع أوسع تُستخدم فيه العصابات المسلحة كأدوات قذرة لخدمة الاحتلال الإسرائيلي، بدعم إقليمي تقوده الإمارات، في محاولة لضرب الاستقرار من الداخل بعدما فشلت القوة العسكرية في كسره. وبينما تتواصل التحقيقات، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى ستذهب هذه الأطراف في رهاناتها على الفوضى، وهل تنجح غزة مرة أخرى في إفشال هذا المخطط كما فعلت مرارًا؟

اقرأ أيضا : بن سلمان يرضي الصهاينة.. “الإخبارية” تحذف إشادة بأطفال فلسطين من خطبة الحرم