في خطوة لافتة تحمل أبعادًا أمنية وسياسية واجتماعية متشابكة، دعت وزارة الداخلية في غزة جميع المتورطين في التعاون مع الاحتلال أو المنتسبين للمجموعات المسلحة المرتبطة به إلى تسليم أنفسهم للأجهزة الأمنية، متعهدة بتسوية أوضاعهم وفق القانون، وبمنحهم فرصة للتراجع قبل أن يجدوا أنفسهم في ذات المصير الذي انتهى إليه قادة تلك المجموعات.

هذه الدعوة جاءت في أعقاب مقتل ياسر أبو شباب، أحد أبرز قادة المجموعات التي ارتبطت بالاحتلال خلال الحرب، والذي لقي مصرعه بعد فترة من فراره وتخفّيه. وبقدر ما يحمل إعلان مقتله من رسائل ردع، فإنه في الوقت ذاته يؤسس لمعركة غير مرئية تخوضها المقاومة ضد شبكات الاختراق الداخلي، وهي معركة لا تقل أهمية عن المواجهة المباشرة مع قوات الاحتلال على الأرض.

مقاربة مختلفة: تفكيك الخطر بدلًا من ملاحقته فقط

الدعوة الموجّهة للمتعاونين ليست مجرد بيان تحذيري، بل تحمل مقاربة أمنية هادئة وحكيمة تعكس تطورًا ملحوظًا في إدارة المقاومة لملف “الجبهة الداخلية”. فبدلًا من الاعتماد على الردع العسكري أو العقاب القاسي، تطرح الداخلية خيارًا ثالثًا يقوم على:

  • احتواء المتورطين قبل انزلاقهم إلى مستويات أعمق من الخيانة.

  • تفكيك الشبكات الصغيرة قبل أن تتحول إلى خيوط تجسسية أكثر تعقيدًا.

  • تشجيع الانشقاق من داخل المنظومات التي حاول الاحتلال زرعها في غزة.

هذه السياسة تذكّر بما تُعرف في العلوم الأمنية باستراتيجية Subversion Reversal، أي تحويل أدوات العدو ضده بدل تركها تعمل في الخفاء، وهو ما يعكس براعة المقاومة في توظيف الأدوات النفسية والاجتماعية لخدمة الأمن القومي.

ذكاء المقاومة: الحرب على “الخطر الصامت”

بينما تتصدر مشاهد الدمار والاشتباكات واجهة الحرب، تدرك المقاومة الفلسطينية أن بعض أخطر المعارك تجري في الظل، بعيدًا عن الإعلام. المتعاونون والمجموعات المرتبطة بالاحتلال يمثلون ما يُعرف بـ الخطر الصامت، إذ يملكون قدرة على تمرير معلومات أو تسهيل مهام للعدو قد تكون أشد فتكًا من الصواريخ.

الدعوة للاستسلام ليست موقفًا أخلاقيًا فقط، بل:

1. عملية جمع معلومات عكسية

حين يسلم المتعاون نفسه، فإنه عادة- يقدم خريطة كاملة لتحركاته، اتصالاته، وأدواره، وهو ما يحوّل العملية إلى فرصة ذهبية لجمع معلومات عن:

  • شبكات التجنيد

  • طرق الاتصال

  • نقاط الاختراق

  • أسماء متورطين آخرين

هذه المعلومات تُستخدم لقطع خطوط الاحتلال داخل القطاع، ما يضاعف الخسائر الأمنية للعدو دون طلقة واحدة.

2. ضرب قدرة الاحتلال على التجنيد

حين يفتح باب “التسوية” للمستسلمين، فإن ذلك يخلق حالة ردع نفسي لمن يفكر في التعاون مستقبلًا، إذ تتسع دائرة الشك داخل منظومة العملاء نفسها، ويفقد الاحتلال إحساسه بالسيطرة على عملائه، حيث لا يعرف من قد ينهار أو يعترف أو يقرر الانسحاب في أي لحظة.

3. تحويل المعركة إلى حرب وعي

المقاومة تعي أن الاحتلال يعتمد على شيطنة المجتمع الفلسطيني وتصويره كمكان مليء بالانقسامات والخيانة. لكن حين تتبرأ العائلات والعشائر من المنخرطين في التعاون، وحين تؤكد الداخلية أن هؤلاء لا يمثلون البيئة الاجتماعية، فإن المقاومة تنقل الصراع من مستوى “ملاحقة أفراد” إلى مستوى تطهير الصورة الجمعية وإبراز تماسك المجتمع.


البعد الاجتماعي: تجفيف البيئة الحاضنة للخيانة

من أخطر ما يعول عليه الاحتلال في حروبه، وجود بيئات اجتماعية هشّة تُسهّل زراعة العملاء. لكن غزة -بتاريخها ومقاومتها وثقافة التحدي فيها- لا توفر مثل هذه البيئة، ولهذا تسعى المقاومة إلى:

  • تعزيز السخط الشعبي ضد أي تعاون مع الاحتلال.

  • إعادة دمج التائبين في المجتمع تحت شروط واضحة، لمنع عودتهم للعمالة.

  • إظهار أن الخيانة ليست “خيارًا عاديًا” بل فعلًا منبوذًا يتبرأ منه الجميع.

وهذه النقطة مهمة لأن الاحتلال غالبًا ما يحاول خلق صورة أن العملاء جزء طبيعي من البنية الاجتماعية الفلسطينية، بينما الواقع مختلف تمامًا: المجتمع ينظر إليهم باعتبارهم أدوات تستخدم في الظلام لخدمة هدف واحد: قتل الفلسطينيين.

بين العفو والعقاب: سياسة البابين

البيان يقدم رسالتين واضحتين:

رسالة أولى: باب العودة مفتوح

لكل من يرغب في التراجع، هناك:

  • معالجة قانونية

  • فرصة لتصحيح المسار

  • حماية من مصير مشابه لمصير قادة الخيانة

هذه المرونة جزء من ذكاء المقاومة، لأنها تمنع “تصلّب المجرمين” وتجعل الاستسلام خيارًا عقلانيًا يفضله كثيرون قبل فوات الأوان.

رسالة ثانية: مقصلة الخيانة جاهزة

مقتل أبو شباب ليس حالة فردية، بل مثال لما يمكن أن يحدث لكل من:

  • يتعاون مع الاحتلال

  • يتورط في جرائم أمنية

  • يشكل تهديدًا للداخل الفلسطيني

بهذا الأسلوب، تجمع المقاومة بين القوة الرادعة والحكمة الاحتوائية، وهو مزيج نادر وفعّال في آن واحد.

خلاصة: خطوة ذكية في توقيت بالغ الحساسية

الدعوة للاستسلام ليست حدثًا عابرًا، بل خطوة محسوبة بدقة في سياق معقد، حيث تحاول المقاومة أن تُحكم سيطرتها على الداخل في وقت تتعرض فيه غزة لحرب هي الأعنف في تاريخها.

التحرك يثبت أن المقاومة لا تخوض معركتها فقط بالسلاح، بل أيضًا بإدارة المجتمع، وتفكيك شبكات الاحتلال، واستنزافه نفسيًا وأمنيًا، وإعادة بناء الداخل من جديد على قاعدة الوعي والوحدة.

إنها رسالة تقول بوضوح:
من يقف مع الاحتلال مصيره الهلاك، ومن يعود إلى حضن شعبه يجد بابًا مفتوحًا.

وهذا -بحد ذاته- أحد أذكى أشكال المقاومة في الحروب الحديثة.

اقرأ أيضًا : اغتيال ياسر أبو شباب.. نهاية دموية لعميلٍ صنعته إسرائيل