في خطوة تصعيد جديدة من نتنياهو أعلن جيش الاحتلال عن دخول وحدة من الدبابات إلى مدينة جنين، وذلك في إطار عملية هجومية موسعة في الضفة الغربية. 

وتأتي هذه الخطوة لأول مرة منذ عملية “السور الواقي” عام 2002، مما يُعيد إلى الأذهان أساليب الحرب الثقيلة التي كانت تُستخدم حينها، ويشير إلى تصاعد خطير في التوتر العسكري على الأراضي الفلسطينية.

تشير التقارير إلى أن قرار نشر الدبابات في شمال الضفة جاء “بعد ضغوط من القيادة السياسية” حسبما أفادت قناة 14 الإسرائيلية عن مصدر أمني مطلع لم تسمه اسمه. 

ويهدف هذا القرار إلى تعزيز القدرات العسكرية للاحتلال في المنطقة وإرسال رسالة ردع واضحة إلى المقامة الفلسطينية، إذ لا يستبعد الجيش الإسرائيلي استخدام سلاح الجو مجدداً إذا ما استدعت التطورات ذلك.

كما أوضح المصدر أن تلك الدبابات قد تدخل شمال الضفة في المستقبل القريب “إذا اقتضت الحاجة”، مما يضع الفلسطينيين في حالة ترقب دائم للتصعيد القادم، ويفتح الباب حول تساؤلات.. هل نتنياهو يحاول تعويض إخفاق غزة بالانتقام من الضفة الغربية.

التصعيد العسكري المتجدد في الضفة الغربية

يُضاف إلى ذلك استمرار اقتحامات قوات الاحتلال للضفة الغربية على مدار 33 يوماً متتالية، حيث استهدفت عمليات عسكرية عدة بلدات ومخيمات في مختلف مناطق الضفة. 

ففي وقت مبكر من صباح الأحد، اقتحمت القوات بلدة زواتا غرب نابلس، فيما تعرضت بلدة بيت فوريك شرق نابلس لاقتحام أدى إلى إصابة عدد من الفلسطينيين بحالات اختناق نتيجة تعرضهم للغاز السام المسيل للدموع وإطلاق الرصاص، وقد اندلعت مواجهات عنيفة في القرية، مما زاد من حدة الحالة الأمنية في المنطقة.

من جهة أخرى، شهدت مدينة جنين تعزيزات عسكرية كبيرة، إذ دفعت قوات الاحتلال باتجاهها، مصحوبة بمشاهد موثقة لجرافات الاحتلال وهي تدمر البنية التحتية بمحيط دوار الشهداء في بلدة قباطية جنوب جنين.

ولم تقتصر العمليات على جنين فقط، فقد شملت اقتحامات في بلدات أخرى مثل إذنا والشيوخ وبيت عوا بالخليل، ومخيمي الديشة وعايدة في بيت لحم، بالإضافة إلى عمليات في المغير وبيرزيت برام الله. كما أُبلغ عن دهمت قوات الاحتلال منازل أسرى كان من المقرر الإفراج عنهم ضمن صفقة الأسرى، مع تحطيم كافة التحضيرات المعدة لاستقبالهم وتحذير الفلسطينيين من إقامة أية مظاهر احتفالية أو رفع رايات وصور خلال المناسبة.

وفي تطور آخر، استغل المستوطنون الفرصة لمهاجمة تجمعات البدو في سهول بلدة جبع شرق القدس المحتلة، حيث أُبلغ عن إحراق عدد من الخيام التي يؤويها عشرات الفلسطينيين، في ظل تقديم السلطات الإسرائيلية للحماية للمستوطنين.

تُظهر هذه الأحداث كيف أن الاحتلال يسعى إلى إعادة تطبيق أساليب قطاع غزة، إذ تتعرض الأراضي الفلسطينية لسياسات حصار ومراقبة مشددة تُثقل كاهل الحياة المدنية.

تواطؤ السلطة الفلسطينية

تبرز التحليلات أن إعادة دخول الدبابات إلى جنين ليست مجرد عملية تكتيكية عابرة، بل هي انعكاس لاستراتيجية منهجية يقوم عليها الاحتلال لتحويل الضفة الغربية إلى ساحة مشابهة لغزة، حيث تُفرض قيود صارمة على الحركة والحياة اليومية. 

في هذا السياق، يتجلى التخاذل الواضح للسلطة الفلسطينية التي فشلت في حماية مواطنيها وتقديم الدعم العسكري والسياسي الكافي في مواجهة هذا التصعيد، مما يُلقي بظلاله على مصداقيتها داخلياً وخارجياً.

لم تكن الأحداث العسكرية هي المحور الوحيد لهذه العملية؛ فقد شهدت مدينة جنين مأساة إنسانية مؤلمة باستشهاد الطفلة ريماس العموري، التي أصيبت برصاصة في ظهرها خلال العملية العسكرية الأخيرة، قبل أن تصلها الإسعافات إلى المستشفى. 

قد شاركت عائلتها في توديع جثمانها الذي نُقل بسيارة إسعاف من مستشفى ابن سينا إلى منزلهم المجاور للمخيم، لتوديعها قبل دفنها في مقبرة شهداء جنين. يُعد استشهاد الطفلة ريماس رمزاً مؤلماً للتكاليف البشرية الباهظة للسياسات العسكرية الصارمة التي ينتهجها الاحتلال.

الاحتلال ينتقم من الضفة

منذ 21 يناير الماضي، وسّع الاحتلال عملياته العسكرية في المدن والمخيمات الفلسطينية شمالي الضفة الغربية، وخاصة في محافظات جنين وطولكرم وطوباس، مما أسفر عن 61 شهيداً وفق وزارة الصحة الفلسطينية، إلى جانب نزوح عشرات الآلاف من المدنيين ودمار واسع في الممتلكات والبنية التحتية، كما تُعد هذه الأرقام مؤشراً على استمرار التفاقم الأمني والإنساني في الأراضي المحتلة.

يتضح من التحليل أن تكتيكات الاحتلال العسكرية تتسم بوضوحها وحجمها الكبير، إذ تعتمد على أساليب قمعية متشددة تهدف إلى تذليل المقاومة الفلسطينية وإرساء نظامٍ من الردع والتفكيك للمطالب الوطنية. 

في ظل هذا التصعيد، تتعرض حياة الفلسطينيين للخطر، وتزداد معاناة السكان الذين يعيشون في ظل قيود مشددة وأنظمة مراقبة صارمة تقيّد كل جوانب حياتهم.

في ضوء هذه التطورات، يبرز النداء الملح للمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته والضغط على الأطراف المعنية لوقف هذه الانتهاكات، والعمل على إعادة النظر في السياسات الإسرائيلية التي تُحول الضفة الغربية إلى ساحة معركة منقسمة بين العنف والدمار.

إذ أصبح واضحاً أن استمرار الاحتلال في استخدام أسلوب الحرب الثقيلة وإعادة تطبيق تكتيكات قطاع غزة يؤدي إلى تفاقم الأزمة، ويترك الشعب الفلسطيني في مواجهة موجة متجددة من الانتهاكات التي تحرمهم من حقوقهم الأساسية وتُعرّض مستقبلهم للخطر.

إن التحديات الراهنة تتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تبدأ من تأمين حماية المواطنين الفلسطينيين وتمكين السلطة الوطنية من ممارسة واجبها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وانتهاءً بضرورة تدخل المجتمع الدولي بشكل جاد لوضع حد لهذه السياسات التي تكرس الفوضى وتزيد من معاناة الشعب الفلسطيني.

وفي الختام، تشكل خطوة دخول دبابات الاحتلال إلى جنين أولى علامات التصعيد العسكري التي قد تؤدي إلى دوامات جديدة من العنف والدمار.

ومع التخاذل الواضح للسلطة الفلسطينية، يصبح المواطن العادي هو الضحية الرئيسية في مواجهة سياسات الاحتلال المتشددة، في الوقت الذي يستدعي فيه الوضع الدولي تحركاً سريعاً لوقف هذه الانتهاكات وإنقاذ حياة الفلسطينيين من المزيد من الدمار والاضطراب.

اقرأ أيضًا : من رفح إلى مخيم النصيرات: عملية تبادل الأسرى تنطق برسالة التحدي