في فبراير 2026، نشرت منظمة The Sentry تحقيقًا استقصائيًا بعنوان “عقارات في دبي مرتبطة بحميدتي”، وفيه يضع التحقيق يدَه على مفارقة فاضحة: بينما تحصد حرب السودان الأرواح وتُشرّد الملايين، تُظهر سجلات عقارية في دبي أن محمد حمدان دقلو “حميدتي” قائد قوات الدعم السريع مرتبط بمحفظة عقارية في الإمارات تُقدَّر بنحو 1.7 مليون دولار. هذا ليس تفصيلًا ماليًا هامشيًا، بل نافذة على كيف تتحول الحرب إلى أصول “نظيفة” داخل سوق عقاري مفتوح على مصراعيه، وكيف تُستخدم الإمارات—بحسب الأدلة المعروضة—كمحطة لإخفاء العوائد وتحويلها إلى ممتلكات محمية بالقوانين والسرية والواجهات التجارية.
ذكر التحقيق أن قوات الدعم السريع تخوض حربًا ضد القوات المسلحة السودانية منذ 2023، وبأن هذه الحرب أدت إلى مقتل أكثر من 100 ألف شخص، وأن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على حميدتي واتهمت قواته بارتكاب إبادة جماعية في دارفور غرب السودان، بينما وصل عدد الفارّين من منازلهم إلى 12 مليون شخص حتى يناير 2026، أي ربع سكان السودان تقريبًا
ثم يضع التحقيق نقطة الارتكاز: في مارس 2020 اشترى حميدتي ثلاث شقق في ضواحي دبي الشرقية “قرب قاعدة المنهاد الجوية العسكرية” في الإمارات. البداية كانت باسم حميدتي نفسه، ثم في يوليو 2022 انتقلت هذه العقارات إلى شركة مسجلة في الإمارات باسم Prodigious Real Estate Management Supervision Services (“Prodigious”)
اختيار المكان هنا ليس تفصيلة محايدة: قرب قاعدة عسكرية جوية يفتح الباب أمام أسئلة من نوع آخر حول البيئة التي تتحرك فيها شبكات المال والسلاح واللوجستيات، حتى لو كان التحقيق نفسه يلتزم بما تثبته وثائق الملكية فقط. لكن الأخطر من الموقع هو شبكة الأسماء التي تلتف حول “Prodigious” ، حيث يقول التحقيق بوضوح إن “المديرين والمالكين السابقين والحاليين” للشركة مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بشركات عوقبت بسبب صلاتها بقوات الدعم السريع، إذ أن الشركة مملوكة حاليًا بنسبة 100% لـ “أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد” الشهير باسم “أبو ذر حبيب”، وهو شخص فرضت عليه وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عام 2025 بوصفه مالكًا لمجموعة Capital Tap التي تضم شركات “قدمت أموالًا ومعدات عسكرية” لقوات الدعم السريع
هذا يعني عمليًا أن “واجهة” إدارة العقار ليست كيانًا بعيدًا عن الحرب، بل تقع داخل دائرة من وُصفوا رسميًا—بالعقوبات—كشريان تمويل وتجهيز لميليشيا متهمة بجرائم جسيمة.
ولا يتوقف التحقيق عند المالك الحالي. فالشركة كان من بين مالكيها ومديريها السابقين الإماراتي ناصر هلال عبد الله هلال الحمادي، والسوداني إسلام بدر الدين محمد عبدالله، ويشير التحقيق إلى أن كليهما كان يمتلك سابقًا شركات ضمن مجموعة Capital Tap
هذه ليست مجرد “أسماء في الهامش”، بل خريطة علاقات: عقارات انتقلت من قائد ميليشيا إلى شركة يملكها شخص مُعاقَب، والشركة نفسها لها تاريخ ملكية وإدارة مرتبط بشبكات خاضعة للعقوبات. بهذا المعنى يصبح العقار أداة لإعادة تشكيل المال: من اقتصاد الحرب إلى ورقة ملكية وعوائد إيجارية تُقدَّم كدخل مشروع.
التحقيق يضيف طبقة ثانية من التفاصيل المالية التي تؤكد أن المسألة ليست ثلاث شقق فحسب، إذ تُقدر قيمة الشقق الثلاث بأقل قليلًا من مليون دولار، ويقول إن Prodigious تملك أيضًا عقارًا تجاريًا في دبي تُقدّر قيمته بنحو 670 ألف دولار، والأهم: من كان يشغل هذا العقار كـ“مستأجر”؟ يذكر التحقيق أن المستأجر كان شركة تصميم داخلي كانت مملوكة سابقًا للحمادي، ومازن فضل الله.
ثم يحدد التحقيق أرقامًا لا تقل فجاجة عن المشهد السوداني: بين 2023 و2025 حققت Prodigious “ما لا يقل عن 80 ألف دولار سنويًا” من الإيجارات من هذه المحفظة العقارية ،أي أن الحرب لا تفرز فقط تهريبًا وسلاحًا وذهبًا—بل تفرز كذلك ريعًا عقاريًا “مستقرًا” في دبي.
تكشف خيوط القضية عن صورة أوسع من مجرد عقارات مسجلة بأسماء أو شركات. فالمسار الذي ظهر يضاف إلى سلسلة سابقة من المعطيات التي رسمت علاقة متشابكة بين عائلة دقلو، وقوات الدعم السريع، ودوائر داخل الإمارات. فقد سبق أن انكشف تشغيل شركات واجهة من داخل دبي لصالح قوات الدعم السريع، بينها كيانات ارتبطت بأسماء مثل ناصر الهاملي، وإسلام عبد الله، وأبو زر حبيب. كما برزت معطيات أخرى عن رجل أعمال إماراتي قام بتوفير مرتزقة كولومبيين لتدريب عناصر الدعم السريع، وهو شريك أعمال لأحد أرفع المسؤولين البيروقراطيين في الدولة. إلى جانب ذلك، توصلت تقارير متعددة إلى وجود تدفقات أسلحة وطائرات مسيّرة باتجاه قوات الدعم السريع، يقابلها تدفق ذهب مهرب في الاتجاه المعاكس. ووفق ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فإن هذا الدعم لا يتوقف عند شبكات أعمال أو وسطاء، بل يمتد إلى أعلى المستويات، بما في ذلك الشيخ محمد بن زايد وإخوته الشيخ منصور والشيخ طحنون، ما يحوّل المسألة من علاقات فردية إلى بنية دعم ذات امتداد سياسي واسع.
في هذا السياق، تتضح وظيفة دبي بوصفها أكثر من مجرد مركز تجاري أو عقاري؛ إنها منصة لإعادة تدوير المال السياسي والعسكري وتحويله إلى أصول مستقرة ومحميّة قانونيًا. سوق العقارات في الإمارات اكتسب سمعة باعتباره بيئة منخفضة التدقيق، حيث يتعامل بعض الوسطاء والمحامين بمنهج “قلة الأسئلة”، ما يسمح بتحويل عوائد مشبوهة إلى ممتلكات مسجلة رسميًا. في عام ٢٠٢٤، أفاد صحفيون متخفون بأنهم أُبلغوا بإمكانية الدفع نقدًا في “أكياس أموال” دون مساءلة حقيقية حول مصدرها. كما كشفت تحقيقات صحفية عن امتلاك سياسيين فاسدين، وتجار مخدرات، وغاسلي أموال، وممولين للإرهاب، وأشخاص خاضعين لعقوبات بسبب دعم برنامج الأسلحة الكيميائية في سوريا، لعقارات في دبي. هذه البيئة تفسر كيف يمكن لأموال مرتبطة بصراع دموي أن تجد طريقها إلى سوق منظم ظاهريًا، حيث تُصهر في شكل ملكيات قانونية وعوائد إيجارية.
ورغم إزالة الإمارات من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي، فإن الأرقام تكشف مفارقة لافتة. فبين عامي ٢٠١٣ و٢٠١٨ تلقت وحدة المعلومات المالية الإماراتية ثلاث تقارير فقط عن معاملات مشبوهة صادرة من شركات عقارية، بينما قفز الرقم بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٣ إلى أكثر من ألفي تقرير نشاط عقاري مرتبط بعمليات شراء نقدية أو عبر العملات المشفرة. هذا الارتفاع في الإبلاغ لا يقابله ما يكفي من الأدلة على تحقيقات أو ملاحقات قضائية بحجم مماثل، رغم تعهد الإمارات بإظهار زيادة مستدامة في قضايا غسل الأموال بما يتناسب مع مستوى المخاطر. وفي عام ٢٠٢٤، أظهرت مراجعة لعينة من مئة شخصية نافذة كُشف عن امتلاكها عقارات في دبي أن ما لا يقل عن ثمانية وخمسين منهم ما زالوا يحتفظون بممتلكاتهم. كذلك لم تُسلَّم شخصيات بارزة يُعتقد أنها تسيطر على عقارات في دبي، مثل الإخوة جوبتا المطلوبين في جنوب أفريقيا، وإيزابيل دوس سانتوس التي تسعى أنغولا لتسليمها، ودانيال كينيهان المشتبه به في تهريب المخدرات.
بهذه المعطيات، تتشكل صورة سوق قادر على استيعاب رؤوس أموال مثيرة للجدل ومنحها غطاءً قانونيًا، في ظل شبكة علاقات تمتد من واجهات تجارية إلى مستويات سياسية عليا، ما يجعل ملف العقارات جزءًا من معادلة أوسع تتقاطع فيها الحرب، والمال، والنفوذ.
إن دبي ليست مجرد خلفية للقصة، بل جزء من آليتها: سجلات ملكية تُظهر انتقال العقار من اسم قائد ميليشيا إلى شركة يملكها شخص خاضع للعقوبات، وعوائد إيجارية ثابتة تتدفق من محفظة مرتبطة بشبكات التمويل والتسليح، وسوق عقاري يتعامل مع “أكياس الكاش” وكأنها وسيلة دفع عادية، ومنظومة رقابية تُكثّف التقارير لكنها لا تقدم ما يكفي من الدليل على تحقيقات وملاحقات تتناسب مع حجم المخاطر. وفي قلب كل ذلك، يبقى السؤال السياسي والأخلاقي الذي لا يملك السودان ترف تجاهله: كيف يمكن لحرب تُنتج الملايين من النازحين أن تنتج في الوقت نفسه محافظ عقارية هادئة في دبي، ومن الذي يضمن لمنظومة الحرب هذا الممر الآمن؟