في فضيحة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي الملطخ بالدماء والانتهاكات، كشفت وكالة “أسوشيتد برس” بالتعاون مع صحيفة “الغارديان” البريطانية عن شهادات صادمة تؤكد أن جيش الاحتلال استخدم المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية خلال عملياته في قطاع غزة، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
فقد نقلت الوكالة عن سبعة فلسطينيين من غزة والضفة الغربية، بينهم من تعرضوا للخطف والتعذيب، تأكيدهم أنهم أُجبروا على اقتحام منازل وأنفاق للتحقق من وجود مقاومين أو متفجرات، فيما كان الجنود يختبئون في الخلف.
هذا السلوك، الذي يتكرر منذ سنوات، تم تأكيده كذلك من قبل جنديين إسرائيليين سابقين تحدثا للوكالة، معترفين بمشاركتهم في تنفيذ عمليات كهذه ضمن وحداتهم، رغم علمهم بحظرها الصريح بموجب القانون الدولي والأوامر العسكرية الإسرائيلية المعلنة.
الجيش الإسرائيلي من جانبه لم ينكر، بل أقر بأنه يحقق في عدد من الحالات، لكنه رفض تقديم تفاصيل حول عدد التحقيقات أو نتائجها، ما يزيد الشكوك حول وجود سياسة ضمنية تسمح بهذه الانتهاكات تحت غطاء “ضرورات أمنية”.
الأمر الذي وصفته منظمات حقوقية بأنه جزء من “عقيدة عسكرية إسرائيلية قديمة”، لطالما استخدمت الفلسطينيين كأدوات لحماية الجنود في العمليات الميدانية.
تاريخ طويل من الإجرام وتحدٍ متواصل للقانون الدولي
الانكشاف الأخير يعيد للأذهان سلسلة من الانتهاكات التي ارتكبها الاحتلال عبر عقود، لا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة.
فرغم أن المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت في عام 2005 قرارًا يقضي بمنع استخدام المدنيين كدروع بشرية، إلا أن الوثائق والممارسات على الأرض تكشف أن هذا القرار لم يتجاوز حدود الورق.
منظمات مثل “بتسيلم” و”هيومن رايتس ووتش” وثقتا عشرات الحالات التي تم فيها الزج بأطفال ونساء فلسطينيين في جبهات القتال، لإجبارهم على طرق أبواب المنازل المشبوهة أو المشي أمام الجنود في ممرات ضيقة قد تكون مفخخة.
ويؤكد الخبراء أن ما يجري في حرب غزة المستمرة منذ قرابة عامين، يمثل تصعيدًا غير مسبوق في هذه السياسات.
فبخلاف الحملات السابقة، لم تعد هذه الانتهاكات مجرد خروقات فردية، بل باتت نمطًا منهجيًا، مدعومًا بصمت القيادة العسكرية العليا، وبرعاية سياسية تبرر أي جريمة تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”.
وإلى جانب الاستخدام المتكرر للدروع البشرية، تسجل الحرب الحالية أرقامًا قياسية في حجم الدمار واستهداف المدنيين. إذ لم تسلم المستشفيات ولا المدارس ولا حتى مراكز الإيواء التابعة للأمم المتحدة من القصف الإسرائيلي، في تجسيد فج لسياسة العقاب الجماعي، وطمس كل ما هو إنساني في هذا الصراع.
مأساة إنسانية تتفاقم وسط تواطؤ دولي
تزامنًا مع الكشف عن الجرائم الجديدة، أعلن جيش الاحتلال دخول 83 شاحنة مساعدات إلى قطاع غزة، في محاولة لتحسين صورته أمام العالم، إلا أن الأمم المتحدة اعتبرت هذه الكمية “نقطة في بحر الاحتياجات”، محذرة من تفشي المجاعة وانهيار النظام الصحي والغذائي في القطاع المنكوب.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن الوضع في غزة دخل “مرحلة الكارثة الإنسانية”، مشيرًا إلى أن عمليات النهب التي طالت قوافل المساعدات تُظهر يأس السكان ومدى تردي الأوضاع المعيشية، في ظل حصار شامل وتدمير ممنهج للبنى التحتية.
وبينما تتزايد الضغوط الحقوقية على المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حازم من الانتهاكات الإسرائيلية، لا تزال القوى الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تكتفي ببيانات خجولة، أو تبرر أفعال الاحتلال بذريعة “حق الدفاع عن النفس”.
حتى بعد حادث إطلاق النار خارج المتحف اليهودي في واشنطن، الذي أودى بحياة موظفين إسرائيليين، فإن أكثر من 40 منظمة يهودية أمريكية دعت الحكومة الأمريكية لمراجعة دعمها غير المشروط لإسرائيل، ووقف التسليح المفتوح الذي يغذي الحرب.
في المقابل، ما زال الشعب الفلسطيني يدفع ثمن هذه الحماية الغربية للمجرمين، فيما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة على حافة الموت، إما بفعل القصف أو الحصار أو العطش أو الجوع. وكل يوم يتأخر فيه العالم عن التحرك، يُضاف جرح جديد إلى جسد هذا الشعب الصامد.
جرائم بلا عقاب وصمت يفاقم الجريمة
إن ما كشفته الوثائق والشهادات مؤخرًا ليس مجرد خرق للقانون، بل هو استمرار لنهج استعماري يستهين بحياة الإنسان الفلسطيني.
ومع غياب المحاسبة، تتكرس إسرائيل كدولة فوق القانون، بينما تتزايد الأصوات الدولية المطالبة بتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة الجنود والقادة الإسرائيليين المتورطين في هذه الجرائم، سواء عبر محكمة الجنايات الدولية أو عبر تحقيقات وطنية في دول مثل بيرو، جنوب إفريقيا، وبلجيكا.
وحتى يتحقق ذلك، تبقى هذه الشهادات سلاحًا في يد المقاومة الحقوقية والإعلامية، تفضح وجه الاحتلال الحقيقي، وتذكّر العالم بأن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل معركة إنسانية ضد الإبادة والصمت المجرم.
اقرأ ايضًا : فاجعة كبرى.. طبيبة أطفال تستقبل أشلاء أبنائها التسعة في مستشفاها