هل هي دعوة للعودة أم كمين سياسي؟

خرج رئيس أمن الدولة السعودي، عبد العزيز الهويريني، بتصريحات لافتة حملت في ظاهرها نبرة تصالحية، لكنها في جوهرها محاولة جديدة من النظام السعودي لاستدراج المعارضين إلى فخ أمني تحت مسمى المصالحة الوطنية.

الإعلان عن توجيه محمد بن سلمان دعوة مفتوحة لعودة المعارضين في الخارج، مع وعود بعدم ملاحقتهم إلا في حال ارتكابهم “جرائم خاصة”، لا يبدو إلا حملة علاقات عامة تهدف إلى تحسين صورة النظام أمام المجتمع الدولي، لا خطوة جادة نحو الإصلاح والانفتاح السياسي الحقيقي.

هذه الدعوة تأتي في ظل حملة قمع غير مسبوقة يقودها نظام بن سلمان ضد أي صوت معارض، حيث تمتلئ السجون بالمفكرين والنشطاء والدعاة وأصحاب الرأي، في الوقت الذي يُطلب فيه من المعارضين في الخارج “الثقة” بأن النظام سيعاملهم بعدالة إذا قرروا العودة.

20% من المعتقلين تم اعتقالهم بطلب من عائلاتهم؟ أي رواية هذه؟

من أكثر الأجزاء غرابة في حديث الهويريني، تصريحه بأن 20% من المعتقلين في المملكة تم توقيفهم بناءً على طلب أسرهم، وكأن هذا الرقم الضخم يشير إلى نظام رحيم يستجيب لنداءات العائلات، وليس إلى جهاز أمني يزرع الرعب داخل المجتمع حتى يصبح الإبلاغ عن الأبناء وسيلة للنجاة من العقوبات الجماعية.

هذه الرواية تتناقض مع الواقع الذي يشير إلى أن العديد من العائلات السعودية تخشى حتى مجرد الحديث عن اعتقال أبنائها، ناهيك عن طلب توقيفهم! هناك مئات الحالات التي تم فيها اعتقال أشخاص لأنهم أبدوا آراءً نقدية بسيطة، وأحيانًا لمجرد الاشتباه بأن لديهم ميولًا معارضة، فما بالك بأن يطلب آباؤهم اعتقالهم؟ هل أصبح التعاون مع الأجهزة الأمنية وسيلة لضمان عدم استهداف العائلة بأكملها؟

قبل الحديث عن العائدين.. لماذا لا يُفرج عن المعتقلين داخل البلاد؟

إذا كان النظام السعودي جادًا في “فتح صفحة جديدة”، فلماذا لا يبدأ أولًا بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين يقبعون في سجونه اليوم؟ كيف يمكن تصديق أي حديث عن الانفتاح والتسامح في الوقت الذي لا يزال فيه عشرات الصحفيين والدعاة والمثقفين معتقلين لمجرد تعبيرهم عن آرائهم؟

  • لماذا لا يتم الإفراج عن الناشطات الحقوقيات اللاتي اعتُقلن لمجرد المطالبة بحقوق المرأة؟
  • لماذا يبقى الدعاة والمفكرون في السجون بلا محاكمة عادلة؟
  • لماذا يخشى المواطن العادي مجرد كتابة رأي نقدي على مواقع التواصل الاجتماعي؟

إذا كان النظام السعودي يسعى فعلاً إلى المصالحة، فإن الإجراء الأول والمنطقي يجب أن يكون بالبدء بالبيت الداخلي والإفراج عن هؤلاء المعتقلين فورًا، وإلغاء القوانين التي تجرّم التعبير عن الرأي.

الحرية في النظام السعودي.. وهم كبير ومجال ضيق مرسوم بعناية

الواقع الذي يحاول النظام السعودي ترويجه عن “الانفتاح” ليس إلا واجهة براقة تخفي خلفها منظومة قمعية لا تختلف عن العهود السابقة، بل ربما أصبحت أكثر بطشًا وتعقيدًا. صحيح أن هناك تغييرات اجتماعية مثل إقامة الحفلات الموسيقية وفتح دور السينما، لكن لا أحد يستطيع أن ينتقد الحكومة، أو يتحدث عن العدالة الاجتماعية، أو يعارض قرارات الدولة، دون أن يجد نفسه في السجن.

الحرية في النظام السعودي ليست حقًا، بل امتياز يُمنح لمن يقرر النظام أنهم يستحقونه، ويسحبه ممن يتجرأ على الخروج عن الخط المرسوم.

هل هذه الدعوة مصالحة أم فخ أمني؟

تاريخيًا، استخدمت الأنظمة الاستبدادية هذه الأساليب لاستدراج معارضيها، واستغلال عودتهم كفرصة لتصفيتهم سياسيًا أو اعتقالهم وإخضاعهم للقوانين القمعية.

في السعودية، هناك سوابق لا يمكن تجاهلها:

  • معارضون تلقوا تطمينات بالعودة، ثم تعرضوا للمضايقات الأمنية أو الاعتقال فور وصولهم.
  • أفراد من عائلات معارضين في الخارج تعرضوا للاعتقال أو التهديد للضغط على أقاربهم.
  • اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول بعد تطمينه أيضا بأنه مُرّحب به، والذي كشف أن النظام لا يتردد في استخدام أقصى أساليب العنف لإسكات خصومه.

فلماذا إذًا يثق المعارضون في هذا النظام ويعودون إليه دون ضمانات حقيقية؟ هل ستكون هذه العودة بلا قيود، أم أنها ستكون بداية لمرحلة جديدة من القمع والتضييق تحت غطاء “المصالحة”؟

متى يدرك النظام السعودي أن القمع لن يجلب الاستقرار؟

الأنظمة التي تعتمد على القمع لا يمكنها البقاء للأبد، فحتى أكثر الدول استبدادًا لا تستطيع سجن جميع المعارضين أو إسكات كل الأصوات الناقدة. النظام السعودي يسعى اليوم إلى شراء الوقت عبر حملات إعلامية عن الإصلاح والانفتاح، لكنه يرفض اتخاذ الخطوات الحقيقية التي يمكن أن تجعل من هذه الحملات شيئًا أكثر من مجرد دعاية زائفة.

إذا كان النظام السعودي يريد حقًا أن يصبح دولة حديثة وقوية، فعليه أن:

  • يفرج فورًا عن جميع المعتقلين السياسيين، بدلًا من التظاهر بأنه يريد “استيعاب” معارضيه في الخارج بينما لا يزال يعتقل الآلاف في الداخل.
  • يوقف القوانين التي تجرّم حرية التعبير، ويسمح للمواطنين بممارسة حقوقهم السياسية دون خوف من الاعتقال أو التعذيب.
  • يضمن عدم استخدام القضاء كأداة سياسية ضد الخصوم، ويُجري محاكمات نزيهة لكل المعتقلين بدلًا من الأحكام القاسية التي تصدر وفق توجيهات سياسية.

النظام السعودي يراوغ.. لكن هل ينجح في الخداع طويلا؟

قد يظن النظام السعودي أن بإمكانه تسويق هذه الخطوة كإجراء تصالحي، وأنه يستطيع إعادة ضبط المشهد السياسي وفق ما يناسبه، دون تقديم أي تنازلات حقيقية. لكنه ينسى أن المعارضة اليوم أكثر وعيًا بهذه الأساليب، وأكثر قدرة على كشف الخداع السياسي الذي يحاول النظام تمريره.

إذا كان محمد بن سلمان يعتقد أن بإمكانه استدراج المعارضين ثم إحكام السيطرة عليهم، فإنه يرتكب خطأً فادحًا. الزمن تغيّر، والمعارضة السعودية لم تعد كما كانت قبل عقد من الزمان. لقد باتت أكثر تنظيمًا، وأكثر قدرة على إيصال صوتها للعالم، وأقل ميلًا للثقة بوعود النظام التي لا تستند إلى أي ضمانات حقيقية.

في النهاية، يمكن للنظام السعودي أن يواصل تلميع صورته عبر التصريحات الرسمية وحملات العلاقات العامة، لكنه لن يستطيع إخفاء الحقيقة التي يعرفها الجميع: في نظام ابن سلمان، لا مكان للحرية الحقيقية، وكل من يخرج عن الخط المرسوم، مصيره القمع، سواء كان في الداخل أو الخارج.