في صباح الخميس، وفي قلب ما تُعرف بالمناطق المركزية الإسرائيلية، وتحديدًا في بلدة “كفار يونا” قرب بيت ليد غربي مدينة طولكرم، دوّى صوت الصدمة فوق موقف للحافلات، حين اندفعت مركبة بسرعة جنونية باتجاه مجموعة من الجنود الإسرائيليين المنتظرين، فأوقعت 9 إصابات بعضها خطير، ثم انسحب المنفذ من المكان دون أن يُلقى القبض عليه، تاركًا خلفه حالة من الذهول والإرباك الأمني.
عملية الدهس هذه ليست مجرد هجوم عابر، بل ضربة جديدة وموجعة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تحمل دلالات مهمة على صعيدي الميدان والردع، وتطرح تساؤلات عن هشاشة الإجراءات في مناطق توصف بأنها “محمية” أمنيًا.

توقيت حرج ومكان غير معتاد.. ضرب العمق وليس الأطراف
تقع بلدة “كفار يونا” قرب بيت ليد، غرب مدينة طولكرم، وهي منطقة لم تكن في السابق ساحة نشطة لعمليات المقاومة الفلسطينية، ما يطرح علامات استفهام حول كيفية تنفيذ العملية هناك، واختيار هدف غير تقليدي مقارنة بمناطق المواجهة المألوفة في الضفة الغربية والقدس. وقوع العملية في موقع مركزي وآهل، وفي وقت الصباح حين يكون التواجد العسكري والمدني الإسرائيلي في ذروته، يعكس تخطيطًا دقيقًا ورسالة واضحة بأن يد المقاومة قادرة على الوصول إلى “الداخل الإسرائيلي”، وليس فقط إلى جنود الاحتلال المنتشرين في الضفة.
عملية الخميس تأتي في وقت يشهد تصاعدًا حادًا في التوتر بالضفة الغربية وقطاع غزة، وتحولات خطيرة على صعيد الميدان والمقاومة، خاصة مع تصاعد الاقتحامات الإسرائيلية، والاعتقالات، والهدم، وما يرافقها من مواجهات دامية. اختيار منفذ العملية أن يستهدف موقفًا للحافلات، حيث يتجمّع الجنود، يحمل في طياته رمزية مزدوجة: استهداف العنصر العسكري، والرد على ما تمارسه هذه القوات بحق الفلسطينيين ليلًا ونهارًا.
عملية خاطفة ومنفذ ينسحب.. ماذا يعني هذا بالنسبة لإسرائيل؟
اللافت في العملية هو نجاح المنفذ في الانسحاب من المكان، رغم أن المكان مُحاط بأجهزة مراقبة، وتقع فيه مقرات أمنية قريبة، وتمشط فيه دوريات الاحتلال بانتظام. فقد أعلنت القناة 12 العبرية أن المنفذ انسحب بنجاح، وسط حالة من الملاحقة الجوية والميدانية، حيث تحلّق مروحيات الاحتلال على ارتفاع منخفض في محيط العملية، في مشهد يؤكد الارتباك الأمني الشديد.
النجاح في الانسحاب يُعدّ عنصرًا مكمّلًا لعملية المقاومة، بل ويضاعف من آثارها النفسية على المجتمع الإسرائيلي، ويُظهر مدى هشاشة المنظومة الأمنية رغم تسخير التكنولوجيا والتنسيق الاستخباراتي مع السلطة الفلسطينية. إذ إن فرار المنفذ يعني ببساطة أن الميدان الفلسطيني ما زال يُنتج منفذين قادرين على المبادرة والتخطيط والانتصار بالكرّ والفرّ.
في السياق ذاته، لم تعلن أي جهة فلسطينية حتى الآن مسؤوليتها عن العملية، مما يفتح المجال لاحتمال أن يكون المنفذ قد تصرّف بشكل فردي، أو ضمن خلية محلية اختارت التنفيذ بصمت، كما حدث في عمليات سابقة. لكن في كلتا الحالتين، فإن الرسالة وصلت إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي باتت تُلاحق الأشباح في كل مكان.
رسائل المقاومة.. دماء مقابل دماء، واستهداف مقابل استهداف
تأتي العملية بعد سلسلة من جرائم الاحتلال في الضفة الغربية، حيث كثف الجيش الإسرائيلي اقتحاماته في طولكرم وجنين ونابلس، ونفذ اغتيالات واعتقالات طالت مقاومين ومدنيين، مما رفع منسوب الغضب الشعبي في الداخل الفلسطيني. عملية الدهس اليوم تبدو وكأنها جزء من سلسلة ردود ميدانية غير مركزية، تُنفذ بوسائل فردية منخفضة الكلفة، وعالية التأثير، كالسكاكين والدهس.
وتعيد هذه العملية إلى الأذهان موجة العمليات الفردية التي برزت في الأعوام الأخيرة، والتي أثبتت فاعليتها رغم بساطتها، وأربكت الحسابات الأمنية والسياسية في إسرائيل. إذ تكمن قوتها في المفاجأة، وانعدام القدرة على التنبؤ بها، إضافة إلى التأثير الكبير الذي تتركه على الجبهة الداخلية، من هلع وارتباك، وتآكل للثقة بالقيادة الأمنية والسياسية.
في المقابل، تسعى إسرائيل حاليًا إلى امتصاص وقع العملية دون تضخيم إعلامي، خشية أن تُلهب الشارع الفلسطيني، أو تُشجع على تنفيذ عمليات مشابهة. لكن حجم الإصابات، وكونها طالت جنودًا بشكل مباشر، والفرار الناجح للمنفذ، سيجعل من الصعب احتواء تداعيات الحادث إعلاميًا ونفسيًا.
عملية واحدة.. ولكنها تُكسر الهالة الأمنية وتُعيد المبادرة للميدان
تؤكد عملية الدهس غربي طولكرم أن الضفة الغربية، رغم القبضة الأمنية المشددة والتنسيق الأمني المتواصل، ما زالت قادرة على مفاجأة الاحتلال بعمليات نوعية تربك الحسابات وتُعيد المبادرة للمقاومة. انسحاب المنفذ دون إصابته، ووقوع هذا العدد الكبير من الإصابات، يُعدّ في عُرف الصراع “نقطة انتصار” ميداني ومعنوي للفلسطينيين، ورسالة قوية بأن الاحتلال لن ينعم بالأمان، لا في الضفة ولا في “الداخل الإسرائيلي”.
ولعل الساعات المقبلة ستكشف عن طبيعة الجهة المنفذة، وردود الفعل الرسمية، إلا أن الأهم هو أن هذه العملية تُضاف إلى سلسلة من العمليات التي تُثبت أن المعركة مفتوحة، والرد لا يأتي بالضرورة بصواريخ من غزة، بل أحيانًا بإطارات سيارة وبسواعد لا تُهزم.
اقرأ أيضًا : سرايا القدس تفقد الاتصال بمجموعة تحتجز أسيرًا إسرائيليًا: نتنياهو يستمر في قتل أسراه