في التاسع والعاشر من ديسمبر/كانون الأول 2025، صادق الكونغرس الأمريكي على بند خاص بالسودان ضمن قانون تفويض الاستخبارات للسنة المالية 2026، في خطوة عكست اعترافًا رسميًا بأن الحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا فحسب، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لتدخلات خارجية تُطيل أمد النزاع وتفاقم كلفته الإنسانية.

غير أن القرار، ورغم لهجته المتقدمة مقارنة بمواقف سابقة، أثار تساؤلات واسعة، أبرزها: لماذا غابت الإمارات عن نص القرار وقوائم العقوبات، رغم تراكم الأدلة والتصريحات الأمريكية التي تتهمها بدعم قوات الدعم السريع؟

قرار استخباراتي… بلا أسماء

نص القرار، وتحديدًا المادة 532، ألزم مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بوضع خطة خلال 90 يومًا لمواجهة “التأثيرات الأجنبية الخصمة في السودان”، مع توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية ورفع السرية عن التدخلات الخارجية.

لكن اللافت أن النص استخدم تعبيرات عامة مثل “جهات أجنبية خصمة”، دون تسمية أي دولة بعينها، رغم أن تقارير أممية، وصحفية، وحقوقية، وحتى تصريحات صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية نفسها، تحدثت بوضوح عن تورط الإمارات في تسليح ودعم قوات الدعم السريع.

وبينما شدد القرار على ضرورة فرض حظر سلاح فعال في دارفور، ومحاسبة منتهكيه، فإنه تجنب الإشارة المباشرة إلى أي دولة حليفة للولايات المتحدة، وعلى رأسها الإمارات.

أدلة قائمة… وتجاهل سياسي

هذا التجاهل لا يعني غياب الأدلة. فخلال عامي 2024 و2025، توالت تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان التي ربطت شحنات أسلحة عُثر عليها في دارفور بمصادر إماراتية، في انتهاك لحظر السلاح المفروض على الإقليم منذ عام 2005.

كما وثّقت منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، إضافة إلى تقارير لصحف كبرى مثل واشنطن بوست، أن الإمارات أصبحت أحد أهم الداعمين اللوجستيين والماليين لقوات الدعم السريع، ما أسهم في إطالة الحرب وتصعيدها، لا سيما في دارفور.

بل إن وزارة الخارجية الأمريكية نفسها أقرت في يناير/كانون الثاني 2025 بأنها توصلت إلى معلومات تؤكد تزويد الإمارات لقوات الدعم السريع بأسلحة، في تصريح نادر يعكس حجم القناعة داخل المؤسسات الأمريكية بجدية هذه الاتهامات.

دور الإمارات في حرب السودان

عقوبات تطال الأفراد… لا الدولة

في 10 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على شبكة دولية لتجنيد مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. قاد الشبكة ضابط كولومبي متقاعد يقيم في الإمارات، واتخذ منها مقرًا لنشاطه.

ورغم أن الإعلان الأمريكي أشار بوضوح إلى أن هذه الشبكة لم يكن لها أن تعمل دون بيئة لوجستية داعمة، فإن العقوبات استهدفت الأفراد والشركات الأجنبية فقط، دون المساس بأي كيان إماراتي رسمي، في ما بدا محاولة للفصل بين النشاط الإجرامي والدولة المضيفة له.

لماذا هذا التردد الأمريكي؟

تفسيرات هذا الموقف الأمريكي تتقاطع عند جملة من الاعتبارات السياسية والإستراتيجية:

1. الإمارات شريك لا يُراد كسره

تُعد الإمارات أحد أهم الحلفاء الإقليميين لواشنطن، وشريكًا رئيسيًا في ملفات الأمن الإقليمي، ومواجهة إيران، ومكافحة الجماعات المسلحة. كما أنها من أكبر مستوردي السلاح الأمريكي، ما يجعل أي خطوة عقابية تجاهها محفوفة بتداعيات سياسية واقتصادية وأمنية.

هذا الاعتبار ظهر بوضوح داخل الكونغرس نفسه، حين عطّل عدد من الأعضاء مشاريع قوانين كانت تهدف إلى وقف بيع السلاح للإمارات، بحجة أن ذلك “يُضعف الردع الأمريكي” في المنطقة.

2. الرهان على الضغط الهادئ

اختارت الإدارات الأمريكية المتعاقبة نهج الدبلوماسية الخلفية مع أبوظبي، عبر الحصول على تعهدات غير معلنة بوقف الدعم العسكري لقوات الدعم السريع، بدلًا من المواجهة العلنية.

وقد تلقى البيت الأبيض بالفعل رسائل تطمين إماراتية في هذا السياق، ما عزز التوجه الأمريكي القائم على إعطاء “فرصة للالتزام الطوعي” بدل العقوبات.

3. تحديد الخصم الحقيقي

لغة القرار الأمريكي تعكس تركيزًا أكبر على التدخلات المرتبطة بخصوم واشنطن، مثل روسيا وإيران، اللتين تنظر إليهما الولايات المتحدة باعتبارهما التهديد الأبرز في السودان، مقارنة بدور حليف يمكن – نظريًا – ضبط سلوكه.

بمعنى آخر، ترى واشنطن أن الضغط على الإمارات ممكن عبر القنوات المغلقة، بينما تحتاج تدخلات موسكو وطهران إلى مواجهة علنية.

4. لوبي السلاح والاقتصاد

لا يمكن فصل الموقف الأمريكي عن نفوذ لوبيات الصناعات الدفاعية، التي ترى في الإمارات زبونًا إستراتيجيًا لا ينبغي خسارته. وقد فشلت محاولات تشريعية سابقة لوقف صفقات السلاح مع أبوظبي بسبب هذا العامل.

ازدواجية المعايير

في المحصلة، يكشف قرار الكونغرس تناقضًا واضحًا بين الخطاب الحقوقي الأمريكي والاعتبارات الواقعية للسياسة الخارجية. فقد فُرضت عقوبات على قادة ميدانيين في قوات الدعم السريع، بينما جرى التغاضي عن الدول التي وفّرت لهم السلاح والغطاء.

ويرى مراقبون أن هذا النهج يكرّس سياسة الكيل بمكيالين، ويقوض مصداقية الولايات المتحدة في ملف حماية المدنيين ومنع الإبادة الجماعية، لا سيما في دارفور.

خلاصة

غياب إدانة الإمارات في قرار الكونغرس لا يعكس براءة، بقدر ما يعكس موازنة سياسية معقّدة بين القيم والمصالح. لكن مع استمرار الحرب، وتصاعد الفظائع، وتراكم الأدلة، قد تجد واشنطن نفسها لاحقًا أمام ضغوط أخلاقية وسياسية تجبرها على كسر هذا الصمت، والانتقال من الضغط الخلفي إلى المساءلة العلنية.

حتى ذلك الحين، يبقى قرار ديسمبر 2025 مثالًا صارخًا على حدود الواقعية السياسية، حين تُؤجَّل العدالة باسم التحالفات.