كتب السيناتور الجمهوري الأمريكي جو ويلسون على حسابه الرسمي في منصة “إكس”، قائلًا: “ديكتاتور تونس قيس سعيّد كان داعمًا رئيسيًا لنظام الأسد الوحشي في سوريا. الأسد لم يعد يضحك بعد الآن، وسعيّد سيلقى نفس المصير”، وأضاف بيت شعر للشاعر التونسي الشهير أبو القاسم الشابي: “إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلابد أن يستجيب القدر.”
كلمات ويلسون لم تكن مجرد تعليق عابر، بل تعكس واقعًا متغيرًا يهدد عرش قيس سعيّد، ويشير إلى المستقبل القاتم الذي ينتظره. مع سقوط أشد الأنظمة الاستبدادية التي ساندها سعيّد، يتضح أن مصيره قد يكون محتومًا، إذ يقف اليوم في مواجهة غضب داخلي متصاعد، وعزلة دولية تزداد إحكامًا، وشعب بات يرى فيه ديكتاتورًا جديدًا خان الثورة وسرق مكتسباتها وحوّل تونس إلى سجن مفتوح، كما تفعل الأنظمة الاستبدادية التي تخشى إرادة الشعوب وتسعى لإخماد أي صوت معارض، تمامًا كما فعل بشار الأسد.
منذ وصوله إلى السلطة في عام 2019، لم يتردد سعيّد في انتهاج مسار استبدادي محكم، مستخدمًا نفس الأساليب التي لجأ إليها الطغاة عبر التاريخ. بدأ انقلابه على الديمقراطية في 25 يوليو/تموز 2021 عندما أعلن “التدابير الاستثنائية” استنادًا إلى المادة 80 من الدستور، معلقًا عمل البرلمان ومانحًا نفسه سلطات مطلقة، بحجة مواجهة “خطر داهم”. لكن ما بدأ كإجراءات استثنائية تحول إلى انقلاب كامل على مؤسسات الدولة، حيث ألغى سعيّد كل مظاهر الديمقراطية الناشئة في تونس، وحكم البلاد بالمراسيم، وكتب دستورًا جديدًا يمنحه صلاحيات غير محدودة، في خطوة أكدت أن نواياه لم تكن إصلاحية، بل استبدادية بالكامل.
عمد سعيّد إلى تفكيك كل المؤسسات المستقلة، بدءًا من حل البرلمان، مرورًا بحل المجلس الأعلى للقضاء، وصولًا إلى شنّ حملات قمع واسعة ضد المعارضة والصحفيين والمحامين والنشطاء السياسيين. سجّل فترة حكمه واحدة من أسوأ فترات انتهاكات حقوق الإنسان في تونس منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، حيث امتلأت السجون بالمعارضين بتهم ملفقة تتعلق بـ”التآمر على الدولة”، بينما تم إسكات كل صوت ناقد عبر قوانين قمعية، مثل المرسوم 54 الذي يجرّم نشر ما يعتبره النظام “أخبارًا كاذبة”، ليصبح أي انتقاد للرئيس سببًا كافيًا للزجّ بصاحبه في السجن لسنوات.
لم يكتفِ سعيّد بذلك، بل عمد إلى تمزيق النسيج السياسي للبلاد، حيث ألغى جميع الهيئات الوسيطة بين السلطة والشعب، وأمعن في تهميش الأحزاب السياسية، حتى باتت الحياة السياسية في تونس شبه مشلولة، باستثناء مؤيديه الذين يديرون المشهد تحت قبضته الحديدية. انتخابات مجلس النواب الأخيرة لم تكن سوى مسرحية هزلية، حيث قاطعها الشعب بنسبة تجاوزت 90%، في رسالة واضحة عن انهيار شرعية نظامه. ومع ذلك، استمر في نهجه القمعي، متجاهلًا الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، والتي تسببت في ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، مما زاد من حالة الاحتقان الشعبي.
سعيّد لم يكن فقط ديكتاتورًا داخليًا، بل كان أيضًا نصيرًا للطغاة، حيث سعى لإعادة العلاقات مع بشار الأسد، أحد أكثر القادة وحشية في العصر الحديث. ففي مايو/أيار 2023، خلال زيارته للسعودية، التقى الأسد وأعلن دعمه العلني له، متجاهلًا الجرائم التي ارتكبها النظام السوري بحق شعبه. في تصريحاته، لم يتردد في الترويج لرواية الأسد، معتبرًا أن سوريا “تستعيد دورها الطبيعي” بعودتها إلى جامعة الدول العربية، في مشهد أعاد للأذهان كيف كان القادة العرب يتسابقون لمباركة الطغاة الذين أبادوا شعوبهم. لم تكن هذه الخطوة مجرد موقف دبلوماسي، بل كانت تأكيدًا على عقيدة سعيّد السياسية، التي ترى في القمع والبطش وسيلة للحكم، تمامًا كما فعل الأسد.
لكن، كما قال ويلسون، الأسد لم يعد يضحك. الديكتاتور السوري فقد السيطرة على معظم بلاده، وتحولت سوريا إلى دولة فاشلة، بينما يواجه عزلة دولية ومحاكمات تنتظره في المستقبل. واليوم، يبدو أن قيس سعيّد يسير في نفس الاتجاه. فبينما يعتقد أنه يستطيع إسكات المعارضة إلى الأبد، فإن الغضب الشعبي يتنامى، والتململ داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية يزداد. فكما سقط بن علي بين ليلة وضحاها، وكما انهارت أنظمة كانت تبدو لا تُقهر، فإن حكم سعيّد قد يكون أقصر مما يتصور، خصوصًا مع دخول تونس مرحلة الغليان الاقتصادي والاجتماعي.
تونس التي كانت مهد الثورات العربية، والتي كانت أيقونة الديمقراطية الوليدة في المنطقة، تحولت تحت حكم سعيّد إلى نموذج جديد للقمع والاستبداد. لكن التاريخ أثبت أن الشعوب لا تصبر طويلًا على الطغاة. اليوم، ومع تصاعد الإدانات الدولية، وازدياد الضغوط الداخلية، تتعزز التوقعات بأن النظام الذي أقامه سعيّد لن يستمر طويلًا، وأنه سيكون مجرد فصل آخر في كتاب الطغاة الذين اعتقدوا أنهم يستطيعون حكم الشعوب بالقوة، لكنهم سقطوا في نهاية المطاف.
مستقبل قيس سعيّد اليوم محفوف بالمخاطر أكثر من أي وقت مضى. فبينما يواصل نهجه القمعي، تتسارع الأحداث نحو لحظة الانفجار، التي قد تأتي من الشارع الغاضب، أو من داخل النظام نفسه، أو من العزلة الدولية التي قد تجعل حكمه غير قابل للاستمرار. ومهما حاول تأجيل النهاية، فإن مصيره قد يكون أقرب مما يظن.