لم تعد التحركات الإماراتية في أفريقيا مجرد سياسة توسع اقتصادي تبحث عن أسواق جديدة لعصر ما بعد النفط. فخلف عشرات المليارات التي تتدفق على الموانئ والأراضي الزراعية والمناجم وشبكات النقل، يتشكل نموذج نفوذ أكثر خطورة، تتداخل فيه الشركات الحكومية مع المصالح الأمنية والعسكرية، وتتحول فيه الثروة الأفريقية والمواقع الاستراتيجية والصراعات الداخلية إلى أدوات لبناء قوة إماراتية تتصرف بمنطق استعماري حديث، وإن استبدلت أعلام الإمبراطوريات القديمة بعقود الاستثمار وشركات الموانئ والطائرات المحملة بالذهب والسلاح.

هذه هي الصورة التي ترسمها الوقائع التي جمعها تحقيق موسع لصحيفة «فاينانشال تايمز» أعده الصحفيان ويليام واليس وبيتر أندرينغا حول التمدد الإماراتي في القارة. والتحقيق لا يتحدث عن حادثة منفردة أو استثمار مثير للجدل، وإنما يوثق شبكة مترابطة تمتد عبر الموانئ والزراعة والتعدين والذهب واللوجستيات والأمن، بينما يقدم السودان المثال الأكثر دموية على الثمن الذي يمكن أن تدفعه دولة أفريقية عندما يلتقي الطموح التجاري الإماراتي بالتدخل العسكري والسياسي.

ذهب السودان.. حين تقود خيوط النهب إلى الإمارات

في أبريل/نيسان 2023، وبينما كانت الخرطوم تدخل الساعات الأولى من حرب ستدمر البلاد، وقعت واحدة من أضخم عمليات الاستيلاء على الذهب. فقد اقتُحم مصفاة الذهب الحكومية والبنك المركزي، وسُرقت، وفق التحقيق، كمية لا تقل عن 1.5 طن من السبائك كانت تبلغ قيمتها آنذاك نحو 100 مليون دولار، فضلًا عن مجوهرات نُهبت من خزائن البنوك التجارية.

وبحسب شاهد أكد ثلاثة مطلعين آخرين روايته، نقلت ميليشيا الدعم السريع الذهب عبر الحدود إلى دول من بينها تشاد وجنوب السودان. وتنفي الميليشيا تورطها، كما تقول الصحيفة إن بعض تفاصيل عملية السرقة لا تزال محل خلاف. لكن الرواية التي وثقتها «فاينانشال تايمز» تذهب أبعد من مكان السرقة نفسها: فمن مطار جوبا الدولي في جنوب السودان، حُمّلت كميات من الذهب على طائرات متجهة إلى الإمارات.

ويقول المصدر إن طائرات شحن إماراتية، مدنية في بعض الأحيان وعسكرية في أحيان أخرى، كانت تصل لنقل الذهب.

هذه الواقعة لا تقف وحدها. فهي جزء من علاقة أوسع جعلت دبي واحدة من أهم الوجهات للذهب الأفريقي، بما في ذلك الذهب الذي يخرج من القارة بعيدًا عن القنوات الرسمية. ووفق تقديرات منظمة Swissaid التي أوردها التحقيق، يُصدّر ما يقارب 30 مليار دولار من الذهب الحرفي الأفريقي إلى دبي سنويًا دون إعلان رسمي.

وفي السودان تحديدًا، تشير دراسات بحثية، بينها دراسة لـChatham House، إلى أن الذهب المتجه إلى الإمارات يسهم في تمويل اقتصاد الحرب. ويشمل ذلك إنتاجًا مرتبطًا بمناجم تسيطر عليها شركة «الجنيد» التابعة لعائلة قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، والتي فرضت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات.

الإمارات من جانبها تنفي تقديم دعم عسكري أو مالي لأي من طرفي الحرب، وتقول إنها طورت إطارًا رقابيًا لضمان شفافية وسلامة تجارة الذهب، فيما تنفي ميليشيا الدعم السريع مسؤوليتها عن نهب السبائك ونقلها إلى الإمارات. لكن هذه النفي لا يلغي الصورة الأوسع التي رسمتها سنوات من الأبحاث والتحقيقات وتقارير الخبراء حول مسارات الذهب والسلاح وعلاقة الإمارات بالحرب السودانية.

الذهب يخرج والسلاح يدخل

الأشد خطورة أن مسارات المصالح الإماراتية في السودان لا تتوقف عند الذهب، فخلال العامين الماضيين، بحسب «فاينانشال تايمز»، جمع خبراء تابعون للأمم المتحدة وأجهزة استخبارات غربية ومتخصصون في تتبع حركة الطيران ومنظمات حقوقية أدلة واسعة بشأن خطوط الإمداد التي تغذي الحرب السودانية، وشملت مطارات وقواعد عسكرية وبحرية في دول أفريقية حليفة تستخدمها أبوظبي، وفق التحقيق، في عمليات سرية لنقل الأسلحة.

وتقول الصحيفة إن هذه الشبكة أسهمت في تحويل ميليشيا الدعم السريع من قوة محدودة التسليح نسبيًا إلى ميليشيا مجهزة بطائرات مسيّرة متطورة ودفاعات جوية وأسطول من ناقلات الجنود المدرعة.

وهنا تصبح المفارقة شديدة القسوة: الذهب السوداني يتحرك نحو الإمارات، بينما تصل إلى ساحة الحرب أدوات قادرة على إطالة عمر الصراع وزيادة كلفته البشرية.

ولا يتعلق الأمر بميليشيا عادية في نزاع مسلح. فميليشيا الدعم السريع متهمة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة ومنظمات حقوقية بارتكاب جرائم مروعة بحق المدنيين، بينها التطهير العرقي، كما خلصت الولايات المتحدة سابقًا إلى أن عناصرها ارتكبوا إبادة جماعية في دارفور.

لهذا يمثل السودان النقطة التي تنهار عندها بسهولة الصورة الإماراتية المصقولة عن «الاستثمار والتنمية». فحين يتجاور الذهب والموارد والأراضي والموانئ مع خطوط إمداد عسكرية لقوة متهمة بارتكاب فظائع جماعية، يصبح الحديث عن علاقة تجارية طبيعية مع أفريقيا عاجزًا عن تفسير ما يجري.

الموانئ.. البنية التحتية التي أصبحت بنية للنفوذ

لم تصل الإمارات إلى هذه المكانة في أفريقيا بين ليلة وضحاها. الموانئ كانت واحدة من أهم الأدوات التي صنعت بها وجودها الاستراتيجي في القارة.

بدأت «موانئ دبي العالمية» بالحصول على امتيازات لمحطات الحاويات في جيبوتي ومابوتو وداكار خلال العقد الأول من الألفية، قبل أن تتوسع بصورة ضخمة. واليوم تدير الشركة، إلى جانب مجموعة موانئ أبوظبي، أو تطور موانئ ومحطات داخلية ومناطق حرة في 13 دولة أفريقية، بينما أعطتها عمليات الاستحواذ على شبكات توزيع ولوجستيات حضورًا في حركة البضائع بأكثر من 25 دولة.

أهمية هذه الموانئ لا تُقاس فقط بإيرادات الحاويات. فالباحثة الإيطالية المتخصصة في شؤون الخليج إليونورا أرديماني تصفها بأنها أدوات نفوذ تقع في صميم سياسة الإمارات تجاه أفريقيا.

ويقدم ميناء بربرة في أرض الصومال نموذجًا واضحًا لهذا التداخل. فقد ضخت «موانئ دبي العالمية» نحو 450 مليون دولار في المشروع، وطورت المرافق وشيدت طريقًا بطول 250 كيلومترًا يربط الميناء باتجاه إثيوبيا، السوق الضخمة الحبيسة التي يزيد عدد سكانها على 120 مليون نسمة.

لكن الاتفاق التجاري سار بالتوازي مع ترتيب أكثر حساسية منح الإمارات السيطرة على قاعدة بحرية وعسكرية مجاورة والوصول إلى مدرج جوي يعود إلى الحقبة السوفيتية. وتشير صور أقمار صناعية حديثة، بحسب التحقيق، إلى إنشاء تحصينات ومنشآت عسكرية إضافية قرب المدرج.

وهكذا لا يصبح الميناء مجرد مكان لتفريغ السفن. المرفق التجاري يخلق موطئ قدم، وموطئ القدم ينتج نفوذًا استراتيجيًا، بينما يمنح الوجود العسكري أبوظبي قدرة أكبر على مراقبة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم والتأثير في توازنات منطقة شديدة الاضطراب.

المال الإماراتي يشتري مساحة متزايدة من القرار الأفريقي

إلى جانب الموانئ، جاءت قوة رأس المال. فمنذ عام 2017، أعلنت الإمارات استثمارات في أفريقيا تتجاوز قيمتها 168 مليار دولار وفق بيانات fDi Markets التابعة لـ«فاينانشال تايمز»، وإن كانت الصحيفة تنبه إلى أن بعض هذه الأرقام يمثل تعهدات لم تتحول كلها إلى مشروعات مكتملة.

وتلعب «International Holding Company» الذي تبلغ قيمتها نحو 240 مليار دولار دورًا رئيسيًا في هذا التوسع، ويرأس المجموعة الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق محمد بن زايد.

وهذه الصلة تكشف بدورها طبيعة النموذج: حدود شديدة الضبابية بين رأس المال والنفوذ السياسي ومؤسسات الدولة والأمن القومي.

وقد شملت الإعلانات الإماراتية مشروع مزرعة رياح بقيمة 10 مليارات دولار في مصر، ومصفاة نفط بقيمة 4 مليارات دولار في أوغندا، وميناءً بقيمة 1.2 مليار دولار في السنغال، فضلًا عن استثمارات بمليارات الدولارات في النحاس والذهب والحديد والقصدير.

لكن المشكلة ليست في أن دولة تستثمر أموالها خارج حدودها. الخطر يبدأ عندما تدخل هذه الأموال دولًا تعاني ضعف المؤسسات والحاجة الشديدة إلى التمويل، ثم تتشابك الاستثمارات مع الديون والموانئ والأمن والعلاقات مع الحكومات والجماعات المسلحة، لتمنح المستثمر الخارجي قدرة سياسية تتجاوز بكثير حجم العقد التجاري الذي دخل منه.

ولهذا يحذر الأكاديمي الإثيوبي وخبير الأمن الإقليمي مهاري تادلي مارو من ضرورة فهم حدود قدرة الدول الأفريقية على المناورة أمام الحجم الهائل للموارد التي توظفها الإمارات.

الأرض الأفريقية لإطعام الإمارات

حتى الأمن الغذائي الإماراتي له جغرافيته الأفريقية؛ فالدولة الصحراوية التي تعاني محدودية الأراضي الزراعية والمياه استأجرت واستحوذت شركاتها على مساحات ضخمة من الأراضي في القارة لضمان إمدادات الغذاء والأعلاف. وفي السودان، دخلت شركة تابعة لـIHC عام 2020 مشروعًا بقيمة 225 مليون دولار لزراعة 170 ألف فدان على ضفاف النيل في أبو حمد.

وبعد عامين فقط، أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي استثمارًا بقيمة 6 مليارات دولار في ميناء أبو عمامة على ساحل البحر الأحمر، وكان من المفترض ربطه بالمناطق الزراعية عبر طريق يبلغ طوله 450 كيلومترًا.

لم تعد الصورة هنا مزرعة منفصلة وميناءً منفصلًا وطريقًا منفصلًا. إنها سلسلة متكاملة: أرض تنتج، وطريق ينقل، وميناء يصدر، وشركات إماراتية تتموضع على أكثر من حلقة فيها.

الحرب السودانية أطاحت بجزء من تلك الخطط، وألغت السلطة العسكرية السودانية الفعلية في 2024 عددًا من الاتفاقات مع الإمارات ردًا على اتهامات أبوظبي بدعم ميليشيا الدعم السريع.

وفي مصر المجاورة، توسعت مزارع صناعية ضخمة في توشكى، يمتلك العديد منها شركة «الظاهرة» التي أسسها ويرأسها الشيخ حمدان بن زايد، شقيق محمد بن زايد. وتنتج هذه المزارع البرسيم والقمح ومحاصيل وأعلافًا يتجه كثير منها إلى الإمارات. كما حصلت شركات إماراتية على أراضٍ في أنغولا وموريتانيا وجنوب السودان وكينيا وتنزانيا.

إنه شكل معاصر من السيطرة على الموارد: لا تحتاج القوة الخارجية إلى احتلال الأرض رسميًا إذا استطاعت إدخال مساحات واسعة منها في سلسلة إمداد تخدم احتياجاتها الاستراتيجية.

دبي.. الخزنة التي تستقبل ثروات القارة

على الطرف الآخر من هذه المنظومة تقف دبي، التي لم تعد مجرد وسيط تجاري لأفريقيا، وإنما أصبحت مركزًا ماليًا ضخمًا لرؤوس الأموال القادمة منها.

في 2025 وحده، كان هناك أكثر من 30 ألف شركة أفريقية نشطة مسجلة لدى غرفة تجارة دبي. وتشير تقديرات مؤسسة تنموية أفريقية حصلت عليها «فاينانشال تايمز» إلى أن الأفارقة استثمروا 30.6 مليار دولار في عقارات دبي بين عامي 2019 و2025، جاء ثلثها تقريبًا من نيجيريا.

ويرى ريكاردو سواريس دي أوليفيرا، أستاذ السياسة في Sciences Po، أن دبي أصبحت وجهة لرؤوس أموال أفريقية استفادت من الضرائب المنخفضة والبيئة التنظيمية والسرية، ويذهب إلى اتهام المدينة بأنها أصبحت مركزًا مفضلًا لغسل المكاسب غير المشروعة مع تشديد التدقيق في مراكز مالية غربية مثل لندن وجنيف.

وتقول الحكومة الإماراتية في المقابل إنها ملتزمة بمسؤوليتها عن حماية نزاهة النظام المالي العالمي. لكن الصورة الكاملة أكثر أهمية من كل رد منفرد: ذهب أفريقي ضخم يتدفق إلى دبي، أموال أفريقية تتجه إلى عقاراتها ومؤسساتها، شركات إماراتية تستحوذ على أجزاء من شبكات النقل والموانئ والمناجم والأراضي، بينما تتوسع أبوظبي أمنيًا وعسكريًا في المناطق نفسها.

استعمار القرن الحادي والعشرين لا يحتاج إلى رفع علم فوق الأرض

الإمارات ليست بالطبع الدولة الخارجية الوحيدة التي تتنافس على أفريقيا. الصين وتركيا والسعودية وقطر وقوى غربية وغيرها جميعها تمتلك مصالح متنامية في القارة. لكن ما يجعل النموذج الإماراتي مثيرًا للقلق هو شدة التداخل بين التجارة والموارد والأمن والعمل العسكري، والسرعة التي تحولت بها دولة صغيرة جغرافيًا إلى لاعب يمتلك أدوات ضغط واسعة على دول تفوقها عشرات المرات مساحة وسكانًا.

وزير الإعلام الإريتري يماني غبرمسكل لخّص المخاوف بصورة أكثر صراحة عندما تحدث عن «طموح لا يمكن تفسيره للسيطرة على المنطقة بأكملها»، معتبرًا أن الأمر بدأ بمحاولة الهيمنة على شبكة من الموانئ التابعة قبل أن يتحول إلى إسقاط أوسع للقوة واستغلال للموارد.

لهذا تبدو استعارة «الإمبراطورية» أكثر من مجرد وصف بلاغي. فالاستعمار في القرن الحادي والعشرين ليس مضطرًا إلى إرسال حاكم أجنبي أو رفع علم فوق مستعمرة. يمكنه أن يتخذ شكل امتياز ميناء يمتد 30 عامًا، أو قاعدة عسكرية ملحقة بمشروع تجاري، أو آلاف الهكتارات المخصصة لخدمة الأمن الغذائي لدولة أخرى، أو السيطرة على المعادن الحيوية، أو مركز مالي يستقبل الذهب والثروات الهاربة، أو شبكة علاقات مع أنظمة وجماعات مسلحة تمنح صاحب المال نفوذًا يتجاوز حدود السيادة الوطنية.

وهنا تكمن خطورة المشروع الإماراتي في أفريقيا. فالقضية ليست أن أبوظبي «تستثمر كثيرًا»، بل في طبيعة المنظومة التي تبنيها بهذه الاستثمارات والجهات التي تتعامل معها والموارد التي تتدفق عبرها والثمن السياسي والإنساني الذي قد تدفعه المجتمعات الأفريقية.

وفي السودان تحديدًا، لم يعد السؤال نظريًا. دولة ممزقة بالحرب، وميليشيا متهمة بالإبادة والتطهير العرقي، وذهب يهرب خارج البلاد، وشبكات إمداد عسكري، ومصالح إماراتية سبقت الحرب في الأرض والموانئ والغذاء، كلها تضع أمام القارة نموذجًا صارخًا لما يمكن أن يحدث عندما تُترك قوة مالية وعسكرية خارجية لتوسع نفوذها داخل الدول الهشة بلا مساءلة حقيقية.

ولذلك قد يكون السؤال الذي نقله التحقيق عن مهاري تادلي مارو هو الأكثر إلحاحًا بالنسبة لأفريقيا اليوم: كيف تستطيع دول القارة الاستفادة من المال الإماراتي من دون أن تصبح هي نفسها، ومواردها وسيادتها وصراعاتها، جزءًا من مشروع القوة الإماراتية؟

فالمعضلة لم تعد في دخول الإمارات إلى أفريقيا؛ لقد دخلت بالفعل وترسخت. المعضلة الآن هي حجم الثمن الذي قد تدفعه القارة مقابل هذا النفوذ.