بينما تتواصل المجازر في غزة، وتغرق المنطقة في أزمة أخلاقية غير مسبوقة، اختارت الرياض أن تفتح أبوابها مجددًا أمام أحد أكثر البنوك الغربية تواطؤًا في تمويل آلة الحرب الإسرائيلية — بنك باركليز البريطاني — الذي أعلن رسميًا خططه لافتتاح مكتب في العاصمة السعودية مطلع العام المقبل.

الخطوة جاءت بمباركة حكومية واضحة خلال قمة مبادرة مستقبل الاستثمار (FII)، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى منصة لتبييض سمعة الشركات المتورطة في الحروب والانتهاكات عبر صفقات ضخمة في السوق السعودية.

بنك ملوّث بالدم يلقى الترحيب في الرياض

وفق تقرير بلومبيرغ، حضر الرئيس التنفيذي لباركليز، سي. إس. فينكاتا كريشنان، قمة الاستثمار في الرياض هذا الأسبوع، حيث أعلن عن نية البنك التوسع في المملكة وفتح مكتب دائم لتعزيز عملياته المالية.

لكن خلف هذا الإعلان البراق تكمن حقيقة مظلمة:

باركليز ليس مجرد مؤسسة مصرفية، بل ممّول رئيسي لحرب الإبادة في غزة. بحسب تقرير صادر عن حملة التضامن مع فلسطين (PSC) البريطانية:

يمتلك باركليز استثمارات تتجاوز 2.5 مليار دولار في تسع شركات تسلّح “إسرائيل”، بينها شركات تزودها بالصواريخ والمكونات الإلكترونية لأنظمة القصف.

قدّم مليارات أخرى في شكل قروض واكتتابات لهذه الشركات.

وهو الموزّع الرئيسي لسندات الحكومة الإسرائيلية، أي أنه يساعد فعليًا في جمع التمويل اللازم لمواصلة الحرب.

بمعنى آخر: كل دولار يربحه باركليز من تمويل إسرائيل، هو رصاصة جديدة في صدر مدني في غزة.

من تبييض الدم إلى تبييض المال

حضور باركليز إلى قمة الاستثمار في الرياض ليس صدفة، بل انعكاس مباشر لسياسة محمد بن سلمان القائمة على دمج رأس المال العالمي — بغض النظر عن مصدره أو تاريخه — في مشاريع “رؤية 2030”.

المؤتمر الذي يُسوَّق كمنصة للابتكار بات في الواقع مغسلة لتبييض السمعة؛ يجتمع فيه منتهكو البيئة، ومموّلو الحروب، وشركات التجسس، وتُقدَّم لهم المملكة كسوق جاهز بلا قيود أخلاقية.

فتح الباب لباركليز اليوم هو رسالة سياسية بقدر ما هو قرار مالي:

أن العلاقات الاقتصادية مع الغرب أهم من التضامن مع فلسطين، وأن “الاستثمار الآمن” يتقدّم على الموقف الأخلاقي، مهما كانت كلفة الدم الفلسطيني.

ازدواجية الخطاب السعودي: “نرفض العدوان” ونموّل أدواته

السلطات السعودية طالما قدّمت نفسها كـ“مدافع عن الحقوق الفلسطينية”، لكن ما يحدث على الأرض هو العكس تمامًا.

ففي الوقت الذي تُطلق فيه تصريحات رسمية عن “القلق على المدنيين في غزة”، تُوقّع الحكومة اتفاقيات مع شركات وبنوك تُعدّ عصبًا ماليًا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

عودة باركليز إلى السعودية ليست حدثًا ماليًا عاديًا، بل جزء من شبكة تطبيع اقتصادي متصاعد، يجري بصمت وبخطوات عملية تحت غطاء “التعاون الاستثماري”.

وما يزيد خطورة الأمر أن هذه العودة تأتي وسط حملة دولية تطالب بمقاطعة باركليز بسبب دوره في تمويل الإبادة، وهو ما يجعل الترحيب السعودي به تحديًا صريحًا للرأي العام العربي والإسلامي.

“مبادرة المستقبل”: واجهة استثمارية لنظام بلا ضوابط

منذ إطلاقها عام 2017، تحوّلت قمة مبادرة مستقبل الاستثمار إلى منتدى لجذب المؤسسات الغربية تحت شعار “مستقبل البشرية”.

لكن مع مرور الوقت، أصبحت الحدث المفضل للشركات التي تحتاج إلى غسل سمعتها الأخلاقية بعد تورطها في فضائح مالية أو انتهاكات إنسانية.

هذا العام، تجاوزت القمة كل الخطوط:

استضافة بنك يمول الإبادة الإسرائيلية.

تجاهل كلي لضحايا الحرب.

احتفاء إعلامي بممثلي مؤسسات غربية فقدت مصداقيتها.

الرياض التي تغلق أبوابها أمام علماء ومفكرين محليين، تفتحها على مصراعيها أمام شركات متورطة في قتل الأبرياء وتمويل الاحتلال.

المال بوصفه غطاءً للتطبيع

لا يمكن فصل عودة باركليز عن المسار التطبيعي المتدرّج بين السعودية وإسرائيل.

فالبنك يُعدّ أحد الجسور الاقتصادية بين لندن وتل أبيب، ودخوله إلى السوق السعودية يحمل دلالات رمزية على استعداد المملكة لدمج “الشركاء الماليين لإسرائيل” في اقتصادها المحلي.

بهذا المعنى، يتحول الاستثمار إلى قناة تطبيع غير معلنة، يتقدّم فيها رأس المال على السياسة، وتصبح غزة مجرد رقم في معادلة الأرباح.

 استثمارات على جثث المدنيين

حين تُرحّب حكومةٍ تدّعي “الحياد الإنساني” ببنك يموّل حرب الإبادة، فإن الحديث عن “قيم ومبادئ” يصبح نوعًا من السخرية السوداء.

عودة باركليز إلى السعودية ليست انتصارًا للاستثمار، بل إهانة لضمير المنطقة بأكملها.

إن كل صفقة توقّع معه، وكل دولار يُستثمر من خلاله، هو شراكة غير مباشرة في الجرائم التي تُرتكب يوميًا في غزة.

المال الذي يأتي عبر بنكٍ ملوّث بالدم لا يُنعش اقتصادًا، بل يُفسد ضمير أمة.