أطلق الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تحذيرًا سياسيًا لافتًا من أبعاد التحرك الإسرائيلي في القرن الأفريقي، مؤكدًا أن تل أبيب لا تتحرك بدوافع دبلوماسية أو إنسانية، بل ضمن مشروع توسّع يستهدف السيطرة على الممرات المائية الإستراتيجية وفتح مسارات جديدة لتهجير الفلسطينيين إلى إقليم “أرض الصومال” الانفصالي. 

جاءت تصريحات شيخ محمود في مقابلة مع الجزيرة على هامش زيارته إلى تركيا ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا.

اعتراف سياسي أم غطاء لمخطط أمني؟

وحول الاعتراف الإسرائيلي المثير للجدل بإقليم “أرض الصومال”، شدد الرئيس الصومالي على أن الخطوة ليست سوى “تطبيع لما كان يُدار في الخفاء”، موضحًا أن الإقليم الانفصالي “قبل بتوطين الفلسطينيين وبناء قاعدة إسرائيلية والانضمام إلى اتفاقات أبراهام”. وبحسب شيخ محمود، فإن اقتراب إسرائيل من الإقليم “ليس لأسباب سلمية بأي شكل”، بل يرتبط بأجندة أمنية تهدف إلى إحكام القبضة على مفاصل الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، بما يهدد توازنات المنطقة.

دور إماراتي خادم للاحتلال

في قراءةٍ أوسع للمشهد، أشار الرئيس الصومالي إلى “أهداف خبيثة” تقف وراء التحرك الإسرائيلي، متهمًا الإمارات العربية المتحدة بلعب دور محوري في تهيئة الأرضية لهذا المسار خدمةً للاحتلال. فالإمارات، وفق هذا المنظور، ليست مجرد وسيط اقتصادي، بل فاعل سياسي–أمني يدفع باتجاه ترسيخ التطبيع وتفكيك الدول الهشّة عبر دعم كيانات انفصالية وتوفير الغطاء المالي واللوجستي لمشاريع مشبوهة. هذا الدور، كما يراه مراقبون، يندرج ضمن سياسة إماراتية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة في القرن الأفريقي بما يخدم تحالفات أبوظبي مع تل أبيب.

قفز غير مبرر على ملف القرن الأفريقي

وأكد شيخ محمود أن إسرائيل “لم تكن لديها اهتمامات أو علاقات بالقرن الأفريقي”، وأن تدخلها المفاجئ “قفز على الموضوع بلا داعٍ”، ما أثار الاستغراب في مقديشو والعواصم الإقليمية. فالتوقيت يأتي بينما كان الصومال “على وشك الخروج من مشاكل دامت مدة طويلة”، بحسب تعبيره، وفي خضم جهود حثيثة لتوحيد البلاد بطريقة سلمية. ويرى الرئيس أن أي محاولة لفرض وقائع جديدة عبر الاعتراف بكيانات انفصالية تُعد تقويضًا مباشرًا لمسار الاستقرار.

رفض دولي وتحركات غير شرعية

وأشار الرئيس الصومالي إلى أن العالم “دان ورفض” القرار الإسرائيلي، لافتًا إلى وجود شركات خاصة تعمل وتستثمر “بشكل غير شرعي” في “أرض الصومال”، في انتهاك واضح لسيادة الدولة الصومالية. وأضاف أن الإقليم الانفصالي يطالب بالاعتراف منذ ثلاثة عقود دون جدوى، مؤكدًا أن حتى الولايات المتحدة—وفق ما نقله عن تصريحات الرئيس الأميركي—لن توافق على الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم. هذا الرفض الدولي يعكس، بحسب متابعين، إدراكًا للمخاطر القانونية والأمنية المترتبة على شرعنة الانفصال.

“أرض الصومال”: واقع انفصالي بلا شرعية

ومنذ إعلان الانفصال عام 1991، يتصرف إقليم “أرض الصومال” ككيان مستقل إداريًا وسياسيًا وأمنيًا، مستفيدًا من ضعف الحكومة المركزية وعجزها عن بسط السيطرة. غير أن هذا الواقع، رغم استمراره، لم ينجح في انتزاع الاعتراف الدولي، ما يجعل أي صفقات مباشرة معه اعتداءً على وحدة الصومال. وتؤكد مقديشو أن الإقليم “جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصومال”، وأن أي تعامل خارجي معه خارج القنوات الرسمية يُعد انتهاكًا صارخًا للسيادة.

القرن الأفريقي بين التطبيع والتهجير

تضع تصريحات شيخ محمود التحرك الإسرائيلي–الإماراتي في سياق أوسع يتجاوز الصومال إلى القضية الفلسطينية ذاتها. فطرح فكرة توطين الفلسطينيين في إقليم انفصالي، وفق هذا المنظور، ليس سوى محاولة لتصفية حق العودة وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية بعيدًا عن فلسطين. كما أن إقامة قواعد عسكرية في مواقع حساسة من القرن الأفريقي من شأنه عسكرة الممرات المائية وجرّ المنطقة إلى صراعات جديدة.

في المحصلة، تعكس تصريحات الرئيس الصومالي قلقًا متزايدًا من تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة نفوذ تُدار من خارج الإقليم، حيث يتقاطع التطبيع مع مشاريع التهجير، وتلعب أبوظبي دور “الوسيط الخادم” لمصالح الاحتلال. وبينما يتمسك الصومال بوحدته ورفضه للانفصال، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح الرفض الدولي في كبح هذا المسار، أم أن المنطقة مقبلة على فصول أكثر اضطرابًا؟

اقرأ أيضًا : ترامب مستقبلا نتنياهو: آمل الوصول للمرحلة الثانية من خطة غزة سريعا