أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات ، مؤكدًا أن القرار لم يكن انفعاليًا أو مفاجئًا، بل جاء بعد «تقييمات مستفيضة» خلصت إلى أن استمرار تلك الاتفاقيات بات يشكّل تهديدًا مباشرًا للمصالح الوطنية الصومالية، وللسيادة ووحدة الأراضي. واعتبر الرئيس أن الدولة لا يمكنها القبول بأي شراكات تُدار خارج أطرها الدستورية، أو تُستخدم للتأثير في توازناتها الداخلية.

«تعاملنا بنوايا حسنة»… لكن الخذلان كان العنوان

في خطاب متلفز وجّهه إلى الشعب، شدد حسن شيخ محمود على أن مقديشو بدأت علاقتها مع أبوظبي «بنوايا حسنة وقلوب مفتوحة»، غير أن الإمارات—بحسب وصفه—لم تتعامل مع الصومال كدولة موحدة ومستقلة، بل كمساحة مفتوحة لتفاهمات جزئية. وأضاف أن حكومته طالبت مرارًا بوقف ممارسات لا تحترم مركزية القرار، إلا أن تلك المطالب قوبلت بالتجاهل، ما دفع الدولة إلى إعادة النظر جذريًا في مجمل العلاقة.

قنوات موازية وانتهاك صريح للسيادة

أخطر ما ورد في خطاب الرئيس كان حديثه عن «قنوات غير رسمية» تسللت عبرها الإمارات إلى الداخل الصومالي، أحيانًا دون علم الحكومة الفيدرالية. واعتبر أن هذه القنوات شكّلت انتهاكًا صريحًا لسيادة البلاد وكرامتها، لأنها خلقت واقعًا سياسيًا وأمنيًا موازٍ للدولة. هذا الاتهام يضع الخلاف في خانة السلوك الممنهج، لا سوء الفهم العابر، ويُظهر حجم القلق الرسمي من إدارة ملفات حساسة خارج مؤسسات الدولة.

الأقاليم في قلب الصراع مع أبوظبي

ترفض مقديشو بشكل قاطع إبرام اتفاقيات مباشرة بين الإمارات وأقاليم فدرالية مثل بونتلاند بعيدًا عن السلطة المركزية. وتؤكد الحكومة أن إدارة الموانئ أو الترتيبات الأمنية بهذه الطريقة يكرّس الانقسام الداخلي، ويُضعف مسار بناء الدولة بعد سنوات من الحرب والفوضى. من هذا المنظور، ترى مقديشو أن ما تروّج له أبوظبي كشراكات تنموية هو في جوهره هندسة نفوذ تقوّض وحدة القرار.

«أرض الصومال»… الاتهام الأخطر

بلغ التوتر ذروته مع اتهام الحكومة الصومالية للإمارات بلعب دور في مسار اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة. ووصفت مقديشو هذا المسار بأنه «خنجر في خاصرة الوحدة الصومالية»، لأنه يستهدف سلامة الأراضي، ويمنح شرعية خارجية لمشروع انفصالي. هذا الاتهام، إن ثبت، يربط السياسة الإماراتية بملف تفكيك الدولة الصومالية ضمن سياق إقليمي أوسع.

إنهاء الوجود العسكري… رسالة بلا لبس

عقب هذه التطورات، أعلنت الصومال رسميًا إنهاء التواجد العسكري الإماراتي وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك. ويمثل القرار رسالة سياسية وأمنية حاسمة مفادها أن أي تعاون لا يحترم سيادة الدولة مرفوض، مهما كانت الإغراءات أو الضغوط. كما يعكس رغبة مقديشو في إعادة تعريف شراكاتها الأمنية على أساس الشفافية والاحترام المتبادل.

سياق إقليمي أوسع للنفوذ الإماراتي

لا ينفصل الخلاف الحالي عن السياسة الإماراتية في القرن الأفريقي، حيث توسّع حضور أبوظبي خلال العقد الأخير في الموانئ والقواعد العسكرية على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن. ومن وجهة نظر صومالية، لم يكن هذا الحضور داعمًا لبناء الدولة، بل جاء على حسابها، عبر توظيف الاقتصاد والأمن لخدمة نفوذ طويل الأمد يتجاوز الحكومات المركزية.

ما بعد القطيعة… رهان الدولة على وحدتها

يراهن الرئيس حسن شيخ محمود على أن استعادة القرار السيادي، حتى لو كلفت توترًا مع قوة إقليمية مؤثرة، ستعزز تماسك الدولة وشرعيتها. ويعيد هذا المسار فتح نقاش أوسع حول حدود التدخل الخارجي في الدول الهشة، وخطورة تحويل ملفات التنمية والأمن إلى أدوات تفكيك. وفي المحصلة، يؤكد الخطاب الرئاسي أن بناء الدولة لا يقوم على «النوايا الحسنة» وحدها، بل على سيادة كاملة لا تقبل التجزئة.

اقرأ أيضًا : خروج المليشيات الإماراتية يمهّد لعودة الدولة.. محافظات يمنية تؤكد التنمية والاستقرار بعد رحيل “الانتقالي”