بدأ عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، جولة من اللقاءات في نيويورك لتسويق رؤية تحالفه بشأن وقف الحرب، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. والتقى حمدوك نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، ودعا إلى توحيد المبادرات الدولية والإقليمية، وفتح مسارات الإغاثة، وإطلاق عملية سياسية تفضي إلى انتقال مدني يحافظ على وحدة السودان وسيادته.

هذه عناوين يصعب الاعتراض عليها، لكن صدقية من يرفعها لا تُقاس بما يقوله داخل مقر الأمم المتحدة وحده، بل بموقعه من الأطراف التي تموّل الحرب وتسلّح مرتكبي المجازر وتوفر لهم الملاذ السياسي والمالي.

وهنا تظهر المعضلة التي تحاصر حمدوك وتحالف «صمود»: كيف يمكن تقديم خطاب مستقل لمناهضة الحرب من داخل الإمارات، الدولة التي تراكمت الأدلة الأممية والاستخباراتية والصحفية على دورها في إمداد ميليشيا الدعم السريع بالسلاح والمال والمقاتلين؟ وكيف يمكن الحديث عن سيادة السودان، بينما يرفض أصحاب هذا الخطاب قطع اعتمادهم السياسي والمعيشي على قوة خارجية متهمة بتقويض هذه السيادة؟

حملة نيويورك وتجاهل السؤال الإماراتي

قال تحالف «صمود» إن لقاء حمدوك وأمينة محمد تناول تطورات الحرب والأوضاع الإنسانية، وضرورة وصول المساعدات إلى جميع أنحاء السودان من دون عوائق. وطالب وفد التحالف الأمم المتحدة بجمع مسارات الوساطة المتفرقة داخل عملية موحدة تربط الملفات الإنسانية والأمنية والسياسية.

وحسب بيان التحالف، أكد الوفد أن السلام الدائم يجب أن يقود إلى انتقال مدني سوداني يحمي وحدة البلاد وسيادتها. غير أن البيان لم يتناول الدور الإماراتي في تسليح ميليشيا الدعم السريع، ولم يطالب بوقف خطوط الإمداد القادمة من خارج السودان، ولم يشرح كيف يمكن بناء عملية سياسية مستقلة بينما تستضيف أبوظبي قيادات مدنية سودانية وتُتهم في الوقت نفسه بدعم أحد طرفي الحرب.

تحولت هذه المفارقة إلى محور انتقاد مباشر من كاميرون هدسون، المسؤول الأمريكي السابق والخبير في الشؤون الأفريقية، الذي قال إن رسالة «صمود» المناهضة للحرب كانت ستصبح أقوى وأكثر صدقية لو نقل حمدوك وبقية قادة التحالف أنفسهم وعائلاتهم خارج الإمارات، وتوقفوا عن تلقي الأموال وأشكال الدعم المرتبطة بأبوظبي، وأدانوا جرائم ميليشيا الدعم السريع بوضوح.

لم يعترض هدسون على الدعوة إلى وقف الحرب، ولم يطالب «صمود» بالانحياز إلى الجيش، بل شدد على أن رفض الحرب لا يعني تأييد القوات المسلحة، تماماً كما أن رفض ميليشيا الدعم السريع لا يجعل صاحبه مؤيداً للجيش. جوهر انتقاده أن الحياد بين طرفي القتال لا يبرر الصمت على الجرائم، ولا يسمح بتحويل الدولة المتهمة بإدامة الحرب إلى مقر آمن لقيادات تزعم العمل على إنهائها.

من أين يتحدث حمدوك؟

لا تتعلق المشكلة بجنسية مقر أو بعنوان إقامة منفصل عن السياسة، وإنما بالشبكة التي تعمل من خلالها أبوظبي داخل الملف السوداني. فقد أصبحت الإمارات قاعدة مالية وتجارية وسياسية ترتبط بها شخصيات وكيانات من محيط ميليشيا الدعم السريع، بينما يعيش فيها حمدوك وعدد من قيادات معسكره السياسي ويمدحون ما تقدمه للسودانيين.

وفي حوار مع صحيفة «البيان» الإماراتية، وصف حمدوك الإمارات بأنها «سند حقيقي للسودانيين في الداخل والخارج»، وأشاد باستضافتها السودانيين وتقديمها المساعدات الإنسانية لهم. وبذلك تبنى حمدوك الرواية التي تريد أبوظبي تسويقها عن نفسها بوصفها مركزاً للإغاثة والسلام، من دون أن يواجهها علناً بالأدلة المتزايدة على استخدامها المال والطائرات والشركات والمسارات الإقليمية لدعم ميليشيا الدعم السريع.

لا يمكن فصل هذا المديح عن حقيقة أن حمدوك يطرح نفسه ممثلاً لمشروع مدني مستقل. فالاستقلال السياسي لا يتحقق برفض الجيش وحده، وإنما يبدأ أيضاً بالاستقلال عن الدولة التي تتهمها تحقيقات دولية بتمويل الميليشيا المقابلة وتسليحها.

وإذا كانت «صمود» تريد إقناع السودانيين بأنها لا تمثل ميليشيا الدعم السريع ولا تتحرك تحت مظلة الإمارات، فإن المسؤولية تقع عليها لإعلان مصادر تمويلها، والكشف عن طبيعة الدعم الذي تحصل عليه قياداتها، وتوضيح أسباب استمرار وجودها في أبوظبي، واتخاذ موقف صريح من دور الإمارات في الحرب.

أما الاكتفاء بترديد عبارات وقف القتال والانتقال المدني، مع تجنب تسمية الدولة التي تمد ميليشيا الدعم السريع بعناصر القوة، فيحوّل خطاب السلام إلى غطاء سياسي يسمح لأبوظبي بالظهور شريكاً في الحل بدلاً من مساءلتها باعتبارها جزءاً رئيسياً من المشكلة.

الأدلة على الدور الإماراتي لم تعد قابلة للتجاهل

لم يعد الحديث عن الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع قائماً على اتهامات صادرة عن الحكومة السودانية وحدها. ففي سبتمبر 2026، خلصت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود زودت ميليشيا الدعم السريع بالأسلحة والخدمات اللوجستية والتدريب والمقاتلين الأجانب.

وأشار التحقيق إلى أن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو سُجلت فيها أو ترتبط بها أدت دوراً مهماً في شبكات تجنيد المتعاقدين العسكريين وتمويلهم ونقلهم ونشرهم، وفي تقديم دعم عسكري استفادت منه ميليشيا الدعم السريع. كما ربط المحققون مقاتلين تلقوا تدريباً خارجياً بمجازر ارتُكبت في مخيم زمزم والفاشر خلال عام 2025.

وكشفت وكالة «رويترز» في فبراير 2026 عن معسكر سري داخل إثيوبيا يستطيع تدريب آلاف المقاتلين لصالح الميليشيا. ونقلت عن ثمانية مصادر، من بينهم مسؤول إثيوبي ودبلوماسيون، أن الإمارات موّلت بناء المعسكر وقدمت مدربين ودعماً لوجستياً، مع تأكيد الوكالة أنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من الدور الإماراتي. ونفت أبوظبي الاتهامات.

أما منظمة العفو الدولية، فقد حددت في مايو 2025 قنابل صينية موجهة ومدافع متطورة استخدمتها ميليشيا الدعم السريع، وخلصت إلى أن هذه الأسلحة أُعيد تصديرها على الأرجح من الإمارات، التي كانت المستورد المعروف الوحيد لبعض الأنظمة التي ظهرت في السودان.

هذه الأدلة تجعل تجاهل «صمود» لأبوظبي اختياراً سياسياً، وليس نقصاً في المعلومات. فالتحالف الذي يطالب المجتمع الدولي بتوحيد جهوده يعرف أن وقف الحرب يستلزم وقف المال والسلاح والمقاتلين القادمين من الخارج، لكنه يتحدث عن «الدعم الخارجي» بصيغ عامة عندما يصل النقاش إلى الإمارات.

إدانة متأخرة لا تحسم الموقف

أصدر تحالف «صمود» في أكتوبر 2025 بياناً أدان فيه انتهاكات ميليشيا الدعم السريع ضد المدنيين في الفاشر وبارا والقرى المحيطة بهما، ووصف قتل المدنيين وتهجيرهم بأنه جريمة جسيمة وانتهاك للقانون الدولي. ولذلك لا يصح القول إن التحالف لم يصدر أي إدانة للميليشيا على الإطلاق.

لكن الأزمة أوسع من وجود بيان واحد. المطلوب موقف سياسي مستمر يوازي حجم الجرائم، ويسمي المسؤولين عنها، ويرفض شرعنة الميليشيا، ويواجه الدولة التي تمدها بأسباب البقاء.

وقد وثقت الأمم المتحدة جرائم قتل وتجويع وعنف جنسي وتعذيب ونهب وتجنيد أطفال ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع وحلفاؤها أثناء الهجوم على الفاشر. وخلصت بعثة تقصي الحقائق إلى أن الاستهداف القائم على الهوية ضد مجتمعات الزغاوة والفور حمل سمات الإبادة الجماعية.

كما وثقت منظمة العفو الدولية القتل والتعذيب والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتهجير القسري والاضطهاد والإبادة في الفاشر، وقالت إن بعض الأفعال التي حققت فيها قد تكون ذات صلة بجريمة الإبادة الجماعية.

أمام هذا السجل، لا يكفي أن تضع «صمود» الجيش والميليشيا داخل عبارة واحدة عن «طرفي الحرب»، ثم تنتقل إلى الحديث عن التسوية السياسية. المساواة الخطابية لا تلغي المسؤولية المنفردة عن كل جريمة، ولا تعفي التحالف من إعلان موقف واضح من مشروع ميليشيا الدعم السريع ومن الحكومة الموازية التي أقامتها مع حلفائها.

الإمارات تجمع بين الميليشيا وواجهتها المدنية

تحتاج أبوظبي إلى أكثر من علاقة عسكرية مع ميليشيا الدعم السريع. فهي تحتاج أيضاً إلى خطاب مدني ينفي عنها صفة التدخل، ويقدم الحرب بوصفها صراعاً داخلياً بين جنرالين، ويعيد إدخالها إلى أي عملية تفاوضية باعتبارها وسيطاً لا ممولاً لطرف مسلح.

ومن هنا تأتي القيمة السياسية لتحالف مدني يرفع شعار «لا للحرب»، لكنه يتجنب الصدام المباشر مع الإمارات، ويمتنع عن جعل وقف دعمها للميليشيا شرطاً لأي سلام. فمثل هذا الخطاب يضغط على الجيش باسم وقف القتال، لكنه لا يفرض على أبوظبي كلفة سياسية مماثلة بسبب خطوط الإمداد والتمويل.

لا يثبت ذلك وحده أن حمدوك يتلقى أوامر من الإمارات أو أن كل تحركات «صمود» ممولة منها، ولا توجد في المواد المتاحة وثائق مالية منشورة تسمح بإثبات قيمة الأموال التي تحدث عنها هدسون أو آلية دفعها. لكن الاتهام العلني الصادر عن مسؤول أمريكي سابق، إلى جانب إقامة القيادات في الإمارات وامتداح حمدوك لدورها وغياب الشفافية المالية، يفرض على التحالف تقديم إجابات موثقة بدلاً من تجاهل الأسئلة.

فمن يدعي تمثيل المشروع المدني يجب أن يكون أكثر الأطراف شفافية، لا أن يطالب السودانيين بمنحه ثقتهم بينما تبقى مصادر دعمه وعلاقاته الخارجية غامضة.

لا سلام مع إبقاء راعي الحرب خارج الاتهام

يريد حمدوك من الأمم المتحدة جمع المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية في عملية واحدة، لكن أي عملية تستبعد مسار التمويل والتسليح الخارجي ستكون ناقصة منذ بدايتها.

لا يمكن وقف حرب السودان من خلال التفاوض مع نتائجها وترك أسباب استمرارها تعمل بحرية. ولا يمكن الحديث عن حماية السيادة الوطنية من دون مواجهة الدولة التي استخدمت شركاتها ومطاراتها وشبكاتها المالية وعلاقاتها الإقليمية لتقوية ميليشيا متهمة بالإبادة وجرائم الحرب.

وإذا أراد حمدوك أن تصبح رسالته أكثر من حملة علاقات عامة في نيويورك، فعليه أن ينقل مركز نشاطه بعيداً عن أبوظبي، ويعلن مصادر تمويل تحالفه، ويرفض أي دعم إماراتي مباشر أو غير مباشر، ويدين جرائم ميليشيا الدعم السريع من دون مساواة تذيب المسؤولية، ويطالب صراحة بوقف الإمداد الإماراتي للميليشيا والتحقيق فيه.

هذا الموقف لن يجعله مؤيداً للجيش، كما أوضح هدسون. يستطيع حمدوك إدانة انتهاكات القوات المسلحة، ورفض الحكم العسكري، والدفاع عن انتقال مدني، وفي الوقت نفسه الوقوف بوضوح ضد ميليشيا الدعم السريع وداعميها الإماراتيين.

أما أن يطالب بالسلام من نيويورك، ويقيم في أبوظبي، ويشيد بدورها الإنساني، ويتجنب مواجهة دورها العسكري، فذلك لا يصنع مشروعاً مدنياً مستقلاً. إنه يمنح الإمارات الواجهة السياسية التي تحتاج إليها لتغسل دورها في الحرب، ويترك السودانيين أمام خطاب يطالبهم بالثقة في تحالف لا يريد الإجابة عن أبسط سؤال: كيف يمكن لمن يعتمد على راعي الحرب أن يقود طريق الخروج منها؟