ترجمة العدسة لمقال رئيس تحرير هآرتس ألوف بن على صحيفة الغارديان
موجة الحر الشديدة التي تضرب المنطقة هذا الأسبوع لم تفرّق بين إسرائيلي وفلسطيني. لكن بينما يحتمي الإسرائيليون في بيوتهم ومكاتبهم وسياراتهم المكيفة، لا يجد المحاصرون في غزة سوى الحر والرطوبة الخانقة التي تزيد من معاناتهم في البحث عن لقمة عيش أو جرعة ماء أو ساعة نوم بلا خوف من الموت. المجاعة التي فجّرتها قيود نتنياهو على إدخال المساعدات الإنسانية تتفاقم، والقتل لا يتوقف، فيما تستعد الحكومة لمرحلة جديدة من الحرب تحت شعار “إبادة حماس”.
في المقابل، معظم الإسرائيليين حصّنوا أنفسهم ضد رؤية هذه الفظائع. تغذيهم الحكومة والإعلام السائد بدعاية تزعم أنه “لا وجود لمجاعة، بل أكاذيب حماس ومعاداة السامية في الإعلام الغربي”، فيعيشون بلا أي شعور بالذنب. بعد قرابة عامين من الحرب، عادت شواطئ تل أبيب ومطاعمها لتغص بروادها، والمطار يعجّ بالسياح المغادرين إلى اليونان، والاقتصاد يظهر مؤشرات تفوق التوقعات. المعارضة للحرب تقتصر على الخوف على مصير الرهائن الإسرائيليين في غزة، وعلى تداعيات نفسية بين الجنود. وحتى أكثر منتقدي نتنياهو باتوا يمنحونه ضوءاً أخضر لمواصلة سياسة العقاب الجماعي ضد غزة.
هذا الرضا الشعبي يفسح المجال لنتنياهو لممارسة لعبته المفضلة: السلطة والإعلام. هدفه الراهن هو إخضاع الجيش، والظرف الحالي وفر له فرصة غير مسبوقة. فمنذ بدايات مسيرته السياسية، كان خصومه الأشد هم قادة المؤسسة العسكرية، تلك النخبة الليبرالية القديمة التي أقسم على تدميرها واستبدالها بأنصاره من المتدينين والمحافظين. بدءاً من رابين في التسعينات وصولاً إلى غانتس وآيزنكوت، واجههم جميعاً وخرج متماسكاً. لكن الحرب الدائمة جعلت الجيش يملك حق النقض غير الرسمي على قرار الحرب والسلم، إلى أن جاء هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي شكل كارثة لإسرائيل لكنه فتح لنتنياهو أبواباً جديدة لتعزيز قبضته.
فشل الجيش وأجهزة الاستخبارات في التنبؤ بالهجوم أو احتوائه وفّر الذريعة. نتنياهو رفض التحقيق المستقل، ألقى المسؤولية كاملة على القيادات العسكرية والأمنية، وبدأ حملة تطهير واسعة، مستبدلاً القادة بموالين له. هكذا نسب لنفسه النجاحات الميدانية ضد حزب الله وإيران وحتى سقوط نظام الأسد، مكرساً صورة الزعيم الذي لا يُقهر.
غير أن الطموح لم يتوقف. في مارس/آذار 2025، عيّن نتنياهو الجنرال إييال زمير رئيساً للأركان، وهو ضابط مدرعات خدم مساعداً عسكرياً له قبل عقد. بدا أن زمير سيكون اليد الطيّعة لرئيس الوزراء، خاصة مع سمعته كقائد “هجومي” وبوعده بالحفاظ على إعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية. في البداية أظهر انسجاماً مع أهداف اليمين: خرق هدنة قصيرة مع حماس، تكثيف القصف، ومنع دخول المساعدات. وفي مايو/أيار، أطلق عملية جديدة لـ“إبادة حماس” عبر تهجير مليوني فلسطيني إلى جيوب محاصرة لا مخرج منها إلا المنفى.
لكن سرعان ما انقلب المشهد. زمير، الذي لم يُبدِ أي رحمة تجاه الفلسطينيين، رفض أن يعرّض جنوده والرهائن الإسرائيليين للخطر من أجل نزوات نتنياهو وحلفائه. وأصرّ على تجنيد المتدينين، موجهاً آلاف أوامر الخدمة. ومع إصرار نتنياهو على احتلال ما تبقى من غزة، هدد زمير بالاستقالة إذا فُرضت عليه مغامرة انتحارية بالاحتلال الطويل. عندها أطلق يائير نتنياهو، ابن رئيس الوزراء، اتهاماته الصاخبة ضد زمير بالتحضير لـ“انقلاب عسكري على الطريقة اللاتينية”.
الخلاف انفجر في جلسة لمجلس الأمن المصغر في 6 أغسطس/آب. حذّر رئيس الأركان من أن إرسال الجنود إلى العملية يعني “الوقوع في فخ” وتعريض حياة الرهائن للخطر. التسوية المؤقتة كانت احتلال مدينة غزة وحدها، وتهجير سكانها المليون وتدميرها بالكامل، كما حدث سابقاً في رفح وخان يونس، مع تحديد مهلة شهرين تسمح بصفقة محتملة لتبادل الأسرى بوقف إطلاق النار.
لكن الصراع لم ينتهِ. وزير الدفاع إسرائيل كاتس يضغط لإخضاع زمير أو دفعه للاستقالة. وبدأ الحديث علناً عن إقالة رئيس الأركان بعد أقل من ستة أشهر في منصبه، في وتيرة تطهير أشبه بالأسلوب الستاليني، مع طرح أسماء جنرالات “أكثر هجومية” وأكثر استعداداً لتنفيذ أوامر رئيس الوزراء نحو تدمير شامل لغزة.
كل ذلك يجري فيما المجاعة تحصد أرواح الغزيين والرهائن بلا أي مبالاة. الأحد القادم تستعد الشوارع لاحتجاجات وإضراب واسع يطالب بإنهاء الحرب وإعادة الرهائن، بدعم شعبي كبير تحاول الحكومة تجاهله. نتنياهو ماضٍ في مهمته المزدوجة: تهجير غزة وتثبيت سلطته المطلقة. وفي مفارقة لافتة، بات الجنرال زمير – الذي عيّنه نتنياهو أصلاً ليكون أداة طيّعة – يتحول إلى قائد محتمل للمقاومة داخل المؤسسة الإسرائيلية، تماماً كما كان خصوم نتنياهو العسكريون السابقون.
في النهاية، لا شيء تغيّر في شخصية نتنياهو. يترك خياراته مفتوحة، يراوغ خصومه بروايات متناقضة، ويخفي نياته حتى عن حلفائه. المراقبون منقسمون حول ما إذا كان يريد إنهاء الحرب، أو الاكتفاء بصراع منخفض الكلفة، أو الاستمرار إلى ما لا نهاية. لكن حقيقتين واضحتين تفرضان نفسيهما: شغف نتنياهو بالسلطة لا حدود له، وعدّاد الموت في غزة يواصل الارتفاع، فيما يواصل الإسرائيليون النظر إلى الجهة الأخرى.