في خطوة جريئة وغير مسبوقة على الساحة اللاتينية، أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو طرد ما تبقّى من أعضاء البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في بلاده، وذلك عقب اعتراض قوات الاحتلال لأسطول الصمود المتجه نحو غزة واعتقال عدد من المشاركين فيه بينهم مواطنتان كولومبيتان. هذه الخطوة الحاسمة تأتي في وقت تكتفي فيه أنظمة عربية بالصمت أو التواطؤ، لتؤكد أن المواقف المبدئية تجاه فلسطين باتت تُصاغ في عواصم بعيدة عن المنطقة أكثر من قربها.
قرار جريء يعكس إرادة سيادية
قرار بيترو بطرد أربعة دبلوماسيين إسرائيليين ما زالوا في بوغوتا، بعد أن كانت بلاده قد قطعت العلاقات السياسية مع تل أبيب العام الماضي، ليس مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل هو تعبير عن نهج سياسي ثابت يضع كولومبيا في مصاف الدول التي ترفض التطبيع مع الاحتلال وتواجهه بأدوات القانون الدولي.
الرئيس الكولومبي لم يكتفِ بإعلان الطرد، بل دعا إلى وقف اتفاقيات التجارة مع إسرائيل، معتبرا أن استمرار التعامل الاقتصادي مع كيان يمارس الاعتقال في المياه الدولية، ويمعن في خنق الفلسطينيين، جريمة لا يمكن تبريرها. وقد ربط هذه الخطوة مباشرة باحتجاز امرأتين كولومبيتين كانتا ضمن “أسطول الصمود”، الأمر الذي أعطى لقراره بعدًا إنسانيًا وشعبيًا، وليس فقط رسميًا.
وزارة الخارجية الكولومبية من جهتها أصدرت بيانًا شديد اللهجة، أكدت فيه أن ما جرى هو “انتهاك صارخ للقانون الدولي واتفاقيات جنيف”، وأن اعتقال الناشطتين لونا باريتو ومانويلا بيدويا يشكل عملية اختطاف لا يمكن السكوت عنها. كما دعت عشرات الدول التي يشارك مواطنوها في الأسطول إلى تحرك عاجل لحماية أبنائها، ما يعكس رغبة بوغوتا في بناء جبهة دبلوماسية دولية لمواجهة الاحتلال.
فلسطين في قلب السياسة الخارجية الكولومبية
منذ وصوله إلى السلطة، أظهر بيترو انحيازًا صريحًا للقضية الفلسطينية. فالرجل الذي يصف إسرائيل بأنها “دولة فصل عنصري”، يؤكد أن دعم غزة ليس خيارًا سياسيًا فحسب بل قضية أخلاقية مرتبطة بحق الشعوب في الحرية. وفي موقفه الأخير، ركّز على أن “أي سياسة دولة لا يمكن أن تبرر المجازر ولا الاحتجاز غير القانوني للمدنيين الذين يسعون لإغاثة الجائعين”.
كولومبيا بذلك تؤكد أنها ترى في حصار غزة جريمة ضد الإنسانية، وأنها لن تكون طرفًا في شرعنة سياسات التجويع والتدمير التي يمارسها الاحتلال.
هذه الرؤية ليست معزولة عن السياق اللاتيني؛ فعدد من دول أمريكا الجنوبية مثل بوليفيا وتشيلي والأرجنتين أبدت مواقف متقدمة في مقاطعة الاحتلال أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكن ما يميز كولومبيا اليوم هو أنها تمضي بخطوات أكثر حدة وجرأة في مواجهة تل أبيب، رغم الضغوط الغربية والأميركية.
صمت عربي مخزٍ مقارنة بالتحرك الكولومبي
في المقابل، تبدو الساحة العربية غارقة في تناقضاتها:
-
بعض الأنظمة تلهث وراء التطبيع مع الاحتلال وتنسج معه شراكات أمنية واقتصادية.
-
أخرى تصمت على الجرائم الإسرائيلية في غزة، مكتفية ببيانات خجولة لا تتعدى حدود “القلق العميق”.
-
بينما تستمر شعوب المنطقة في التظاهر نصرة لفلسطين، تواجه بالقمع والمنع من حكوماتها.
هنا تبرز المفارقة المؤلمة: كولومبيا البعيدة جغرافيا أقرب إلى وجدان فلسطين من حكام يقفون على حدودها. قرارات بيترو تعكس شجاعة سياسية، بينما تفضّل أنظمة عربية التواطؤ حفاظًا على رضا واشنطن أو طمعًا في استثمارات إسرائيلية.
الأسطول الذي اعترضته بحرية الاحتلال لم يكن مجرد قافلة إنسانية، بل رسالة رمزية عن إرادة الشعوب العالمية في كسر الحصار. وبينما يتعرض ناشطون من كولومبيا، إسبانيا، البرازيل، تركيا، جنوب أفريقيا، وغيرها للاعتقال والملاحقة، لم نرَ من العواصم العربية إلا ترديد الرواية الإسرائيلية أو الصمت المطبق.
أبعاد القرار الكولومبي
خطوة الرئيس بيترو تحمل رسائل متعددة:
-
رسالة داخلية لشعبه أن الحكومة لن تتهاون مع احتجاز مواطنيها، وأن كرامة الكولومبيين لا تخضع لحسابات سياسية.
-
رسالة إقليمية لأمريكا اللاتينية أن التصدي لإسرائيل ممكن، وأن مواجهة اللوبي الصهيوني ليست حكرًا على الشرق الأوسط.
-
رسالة عالمية بأن القانون الدولي ما زال حاضرًا وأن الشعوب قادرة على فرض إرادتها حتى لو تواطأت القوى الكبرى.
كما أن دعوته لتعليق الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل ستفتح الباب أمام مواجهة اقتصادية مع الاحتلال، الذي يعتمد على علاقاته التجارية لتبييض صورته وإخفاء جرائمه. وإذا ما تبنّت دول أخرى الموقف ذاته، فقد يجد الاحتلال نفسه في عزلة متنامية.
خاتمة
قرار غوستافو بيترو بطرد البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية من كولومبيا هو صفعة قوية لسياسات الاحتلال، ورسالة بأن العالم لم يعد يتسامح مع جرائمه. وفي الوقت نفسه هو مرآة تعكس خزي الحكام العرب الذين يهرولون نحو التطبيع بينما تُذبح غزة.
لقد أثبت الرئيس الكولومبي أن الإرادة السياسية الصلبة قادرة على صنع الفارق، وأن نصرة فلسطين ليست شعارات بل قرارات عملية تُترجم إلى طرد دبلوماسيين، تجميد اتفاقيات، وملاحقة دولية. وبينما يرفع بيترو راية التضامن من بوغوتا، تظل عواصم عربية غارقة في صمتها، لتؤكد أن معركة الكرامة اليوم تُدار من خارج أسوارها أكثر مما تُدار في داخلها.
اقرأ أيضًا :بن غفير يهاجم خطة ترامب.. يريد استمرار الإبادة الجماعية في غزة