في جلسة استماع أمام البرلمان البريطاني، أقر سمير شاه، رئيس لجنة الأفلام الوثائقية في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، بأن التعامل مع الفيلم الوثائقي Gaza: How to Survive a Warzone شكّل “طعنة في قلب مصداقية الهيئة”، مضيفًا أن تحقيق داخلي حول أسباب سحب الفيلم، كشفت عن وجود “إخفاقات تحريرية جسيمة” وأخطاء في المعايير المهنية، مؤكدًا أن بعض المسؤولين “لم يقوموا بعملهم كما ينبغي”.
وكانت الهيئة قد حذفت الفيلم الوثائقي Gaza: How to Survive a Warzone من منصاتها، ليس بسبب أي خطأ تحريري، بل لأن الطفل الذي روى معاناته في الفيلم هو نجل مسؤول في حكومة حماس.
تصريحات شاه تعكس إصرار BBC على التشكيك في أي محتوى يوثق معاناة الفلسطينيين، وليس مجرد فشل إداري كما يحاول أن يصور الأمر. فبينما تستمر المؤسسة في التأكيد على معاييرها التحريرية، يبرز التساؤل: هل الأزمة الحقيقية تكمن في آليات الإنتاج، أم أن هناك توجهًا سياسيًا واضحًا يدفعها لحجب الرواية الفلسطينية؟
موقف شاه يعكس بوضوح كيف يستميت الإعلام الغربي في فرض معاييره المزدوجة وتقديم نفسه كجهة “محايدة” بينما يمارس رقابة صارمة تخدم أجندات سياسية معينة. في جلسة الاستماع دافع شاه بشراسة عن القرار مرجعًا الأسباب لحذف الفيلم إلى “إخفاقات تحريرية جسيمة” تضر بمصداقية القناة. لكن ما هي هذه الإخفاقات المزعومة؟ ببساطة، لأن الطفل الذي روى معاناة الفلسطينيين في الفيلم هو نجل مسؤول في حكومة حماس.
شاه وصف ما حدث بأنه “طعنة في قلب مصداقية الـ BBC”، وكأن ظهور طفل فلسطيني يروي معاناته في ظل العدوان الإسرائيلي هو الجريمة الحقيقية، وليس قتل الأطفال الفلسطينيين أو تدمير منازلهم ومستشفياتهم. كل هذا بسبب طفل! بينما تتجاهل الـ BBC آلاف الأطفال الذين قتلهم الاحتلال، نجدها تشن حملة واسعة لإسقاط مصداقية فيلم وثائقي لمجرد أن أحد أبطاله يحمل اسمًا لا يعجبهم.
الهيئة ادعت أن المشكلة ليست في السياسة التحريرية نفسها، بل في “عدم قيام الأشخاص بعملهم”، في إشارة إلى أن بعض العاملين داخل القناة لم يراجعوا المعلومات المتعلقة بخلفية الطفل قبل الموافقة على الفيلم. بمعنى آخر، كان يتوجب عليهم البحث أكثر عن أي ذريعة لمنع ظهور هذا الطفل على الشاشة، لا لمراجعة المضمون أو التأكد من دقته.
أما المدير العام للـ BBC، تيم دايفي، فقد دافع عن القرار، مشيرًا إلى أن المؤسسة “فقدت الثقة” في الفيلم بمجرد اكتشاف أن والد الطفل يشغل منصبًا حكوميًا في غزة. لم يطعن أحد في صحة المشاهد المروعة التي نقلها الفيلم، ولا في حجم الدمار الذي لحق بالمدنيين، ولا حتى في مصداقية الشهادات، لكن لأن والد الطفل هو نائب وزير في حكومة حماس، فإن القصة بأكملها فقدت قيمتها بالنسبة لهم.
الأمر لم يتوقف عند حذف الفيلم، بل شمل تحقيقًا داخليًا عاجلًا يقوده بيتر جونستون، مدير الشكاوى والمراجعات التحريرية في الـ BBC، للنظر فيما إذا كان ينبغي معاقبة الأشخاص المسؤولين عن إنتاج الفيلم. في الوقت ذاته، تعرضت شركة Hoyo Films، التي أنتجت الفيلم، لضغوط هائلة، واضطرت إلى إصدار بيان تعلن فيه “التعاون الكامل مع تحقيقات الـ BBC”، بينما شددت على أن القصة التي نقلها الفيلم تظل مهمة ويجب أن تُروى، مؤكدةً أن أبطاله مجرد مدنيين لا علاقة لهم بأي قرارات سياسية.
وفي مشهد يعكس ازدواجية الإعلام الغربي، تجاهل شاه كل الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل ضد الأطفال الفلسطينيين، لكنه لم يتردد في إدانة الصحفي السابق في الـ BBC، هوو إدواردز، بسبب قضية أخرى، مطالبًا إياه بإعادة أكثر من 200 ألف جنيه إسترليني حصل عليها من أموال دافعي الضرائب. في المقابل، لم نرَ منه أي مطالبة بمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه ضد الصحفيين والمدنيين الفلسطينيين.
المثير للاهتمام هو أن شخصيات بارزة من عالم الفن والإعلام، مثل جاري لينيكر وجولييت ستيفنسون، من بين 1000 شخص، وقعوا على خطاب احتجاجي يطالب الـ BBC بإعادة بث الفيلم، معتبرين أنه “قطعة صحفية ضرورية”، لكن المؤسسة لم تكترث لهذه الدعوات، متمسكة بقرارها.
ما حدث هنا ليس مجرد حذف لفيلم، بل هو جزء من حملة ممنهجة لتكميم الأفواه، وطمس الرواية الفلسطينية، والتأكيد على أن الإعلام الغربي ليس سوى أداة لتجميل صورة الاحتلال والترويج لسرديته. وإذا كان هذا كله يحدث بسبب طفل، فماذا عن ملايين الفلسطينيين الذين لا صوت لهم في الإعلام الغربي؟