في تقرير حقوقي جديد يحمل اتهامات صريحة، كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن قيام السلطات الأردنية بعمليات تهجير قسري لمئات الفلسطينيين من سكان مخيم “المحطة” في العاصمة عمّان، ضمن خطة تطوير حضري تدّعي تحسين البنية التحتية.
لكنّ المنظمة أكدت أن هذا التهجير جرى دون إشعار كافٍ أو تعويض عادل أو حتى احترام للحقوق الإنسانية الأساسية.
وبحسب مراقبين، يأتي هذا الانتهاك في سياق سياسة أردنية قديمة تجاه اللاجئين الفلسطينيين، تتماهى مع مواقف ملكية تُقدّم خدمات مجانية للاحتلال، لا تبدأ بمنع المقاومة ولا تنتهي بتهجير اللاجئين.
![]()
أكذوبة “التطوير الحضري”.. وواقع الهدم القسري
السلطات الأردنية، وتحديداً “أمانة عمان الكبرى”، شرعت منذ أواخر عام 2024 في تنفيذ عمليات هدم لمنازل ومحال تجارية في مخيم المحطة، ضمن ما يسمى بـ”الخطة الاستراتيجية 2022-2026” لإعادة تطوير الأحياء العشوائية.
ووفقاً لتقارير “هيومن رايتس ووتش”، فقد جرى تهجير أكثر من 100 شخص من منازلهم، وهدم 25 بيتاً وعدد من المحلات التجارية، دون أي خطة واضحة لإعادة توطينهم أو تعويضهم بشكل قانوني ومنصف.
المدهش أن الحكومة لم تقدم للسكان سوى مهلة قصيرة – من أسبوعين إلى شهر فقط – لإخلاء منازلهم، مع وعود غير مكتوبة بتعويض قدره 80 ديناراً أردنياً للمتر المربع. لكن الصدمة جاءت عندما صرّح أمين عمّان يوسف الشواربة بأن السكان “لا يستحقون أي تعويض”، لأنهم “يعتدون على أملاك الدولة”، موضحاً أن المبالغ المقترحة “تبرعات” لا ترتقي إلى مستوى الحقوق القانونية.
هذا التصريح الرسمي يعكس توجهاً خطيراً لدى الدولة، يجعل من الفلسطينيين المقيمين منذ أكثر من 70 عاماً، مجرد “معتدين” بلا حق، وكأن تهجيرهم من وطنهم الأصلي لم يكن كافياً.
صوت اللاجئين.. بين الاحتجاجات الصامتة والإهمال الرسمي
لجنة الدفاع عن أهالي المحطة، والتي تشكلت لتمثيل السكان في وجه قرارات التهجير، أكدت أن الاحتجاجات السلمية والمناشدات لم تلقَ أي استجابة من السلطات.
فقد هُدمت المحال التجارية في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وتواصلت عمليات الهدم حتى بداية ديسمبر، رغم النداءات المتكررة بإيقاف المشروع حتى توفير بدائل إنسانية.
شهادات السكان التي وثقتها “هيومن رايتس ووتش” تظهر قسوة التعامل الرسمي، حيث طُرد أصحاب البيوت من مساكنهم القديمة، وهم لا يملكون مكاناً بديلاً ولا القدرة على شراء سكن جديد، فيما تُركت الأسر تواجه مصيراً مجهولاً، وقطعت عنهم مصادر رزقهم مع إزالة المحال.
المنظمة الحقوقية طالبت الحكومة الأردنية بتقديم تعويضات عادلة وسريعة، واحترام حقوق المتضررين من مشاريع التوسعة، وحذرت من تكرار هذه السياسات التي تشكّل خرقاً للقانون الدولي المتعلق بالسكن والحق في عدم التهجير القسري.
سياسة ملكية تصب في مصلحة الاحتلال
هذا التهجير ليس مجرد قرار إداري، بل هو انعكاس مباشر لسياسة دولة تحكمها سلطة تخلّت فعلياً عن القضية الفلسطينية، رغم الخطابات الشعبوية.
فالنظام الأردني، بقيادة الملك عبد الله الثاني، يواصل فرض سياسات تضييق على اللاجئين، في حين ينسق أمنياً مع الاحتلال الإسرائيلي، ويمنع أي شكل من أشكال المقاومة على أراضيه.
وقد سبق للملك أن رفض مراراً فتح جبهة دعم حقيقية لغزة أو الضفة، واكتفى بالشجب الإعلامي، بينما يُبقي التنسيق الاستخباراتي والعسكري مع إسرائيل قائماً خلف الكواليس. واليوم، يأتي تهجير الفلسطينيين من مخيم المحطة ليكشف ازدواجية خطابه: يدّعي دعم القدس بينما يهدم مساكن اللاجئين في عمّان.
اللافت أن المخيم نفسه غير معترف به لا من الدولة ولا من وكالة “الأونروا”، ما يجعل سكانه في وضع قانوني هش، ويُسهّل التعدي عليهم باسم “إزالة العشوائيات”، دون أي مساءلة داخلية أو ضغط دولي.
خاتمة: التطهير الناعم باسم “التطوير”
ما يجري في مخيم المحطة ليس مجرد مشروع بلدي، بل سياسة مدروسة لتفكيك الوجود الفلسطيني في الأردن، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من تمرير مشاريع التوطين أو “صفقة القرن” بنسخها الجديدة.
فحين يصبح اللاجئ مطروداً من الخيمة التي لجأ إليها، ويُتهم بأنه “معتدٍ”، فهذا يعني أن الوطن البديل لم يكن سوى فخ كبير.
المطلوب اليوم من المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، ومن الفلسطينيين أنفسهم، الوقوف أمام هذه الانتهاكات، وتوثيقها، ومحاسبة المسؤولين عنها.
أما الأردن الرسمي، فعليه أن يختار: إما أن يكون شريكاً في حماية حقوق اللاجئين، أو شريكاً في تنفيذ مخطط الاحتلال عبر الهدم والترحيل الناعم. فالأرض لا تكذب.. والمخيم شاهد.
اقرأ أيضًا : في خدمة تل أبيب: كيف لفّق النظام الأردني تهمًا لأحرار أردنيين لتحطيم تيار المقاومة وضرب الإخوان؟