أثارت رسالة بعث بها رئيس الإمارات محمد بن زايد إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز قراءات سياسية تتجاوز مضمونها البروتوكولي المعلن، وسط حديث دبلوماسي عن أن التواصل المباشر مع الملك قد يمثل محاولة إماراتية لتجاوز ولي العهد محمد بن سلمان والوصول إلى قمة هرم السلطة السعودية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين الرياض وأبوظبي توترات متزايدة حول ملفات إقليمية عدة.
وبحسب تقرير «ميدل إيست آي»، الذي استند إلى مسؤولين ودبلوماسيين أميركيين وعرب وغربيين، فإن أهمية الرسالة لا تكمن في مضمونها الرسمي فقط، وإنما في الجهة التي اختارت أبوظبي مخاطبتها والطريقة التي جاء بها الاتصال في ظل الخلافات بين القيادتين. وتقول الرواية الإماراتية الرسمية إن الرسالة تضمنت دعوة شخصية للملك سلمان لحضور مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المقرر عقده في أبوظبي خلال ديسمبر المقبل.
لكن دبلوماسيين تحدثوا للموقع قرأوا الخطوة بصورة مختلفة. ونقل التقرير عن مسؤول غربي مطلع قوله إن الإماراتيين شعروا بأنه «لم يعد أمامهم خيار سوى التوجه مباشرة إلى قمة السلطة»، مضيفاً أن محمد بن سلمان لن يكون سعيداً بهذه الطريقة في التواصل.
قناة اقترحها بن سلمان.. وأبوظبي تتجاوزها
وتزداد حساسية الرسالة بالنظر إلى ما سبقها من محاولة سعودية لإنشاء قناة مخصصة لإدارة الخلاف مع الإمارات.
فبحسب «ميدل إيست آي»، كان محمد بن سلمان قد بعث برسالة إلى مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد، عرض خلالها مخاوف الرياض من التحركات الإماراتية في اليمن والسودان، واقترح إنشاء قناة رسمية لمعالجة الملفات الخلافية يكون طرفاها وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان وطحنون بن زايد.
ومن هنا يكتسب انتقال محمد بن زايد إلى مخاطبة الملك سلمان مباشرة دلالة سياسية؛ إذ يمكن قراءته باعتباره عدم اعتماد أبوظبي للقناة التي اقترحها ولي العهد، أو محاولة للانتقال بالخلاف إلى مستوى أعلى من المستوى الذي حددته الرياض.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى ضبط: لا يوجد إعلان إماراتي يقول إن محمد بن زايد قصد تجاوز ولي العهد، وإنما هي قراءة سياسية قدمها مسؤولون ودبلوماسيون للموقع استناداً إلى توقيت الرسالة وسياقها.
واشنطن حاولت الدخول على خط الأزمة
ووفق التقرير، عرضت الولايات المتحدة التوسط بين الرياض وأبوظبي، وكان من المتوقع أن يتوجه مسؤول أميركي رفيع إلى الإمارات خلال الأسبوع الجاري، لكن الزيارة لم تتم.
كما كان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يخطط لزيارة أبوظبي في وقت سابق من أغسطس، قبل إلغاء الرحلة أيضاً، بحسب المعلومات التي أوردها الموقع.
وتشير هذه التحركات إلى أن الخلاف لم يعد مجرد تباينات يمكن احتواؤها عبر القنوات الخليجية التقليدية، بل أصبح ملفاً تتابعه واشنطن وتحاول التدخل فيه، خصوصاً مع امتداده إلى ساحات إقليمية حساسة.
من اليمن والسودان إلى إدارة حرب إيران
ولا ينحصر التباعد السعودي–الإماراتي، بحسب التقرير، في اليمن والسودان. فقد ظهرت تباينات جديدة بعد مرحلة من التنسيق بين البلدين خلال الحرب مع إيران، قبل أن تميل الرياض إلى دعم مسار وساطة تقوده باكستان، في خطوة يقول التقرير إن أبوظبي سعت إلى منعها.
وهنا تبدو الأزمة أوسع من خلاف على ملف واحد: السعودية والإمارات باتتا تمتلكان رؤيتين مختلفتين لعدد من ملفات الإقليم، وكل منهما تحاول بناء شبكة تحالفات ونفوذ أكثر استقلالاً عن الأخرى.
صراع وصل إلى مستوى «من يتحدث مع من؟»
الأكثر دلالة في التطورات الأخيرة أن الخلاف يبدو وقد انتقل من ساحات النفوذ الإقليمية إلى آليات إدارة العلاقة بين القيادتين نفسيهما.
محمد بن سلمان اقترح مساراً يمر عبر خالد بن سلمان وطحنون بن زايد، بينما جاء تحرك محمد بن زايد باتجاه الملك سلمان مباشرة. وإذا كانت قراءة الدبلوماسيين الذين تحدثوا لـ«ميدل إيست آي» صحيحة، فإن الرسالة الإماراتية لا تبدو مجرد دعوة لحضور مؤتمر للمياه، بل محاولة لفتح قناة سياسية فوق المستوى الذي أراد ولي العهد السعودي حصر إدارة الخلاف داخله.
وبذلك يصبح السؤال الأهم ليس مضمون الرسالة نفسها، وإنما لماذا اختار محمد بن زايد الملك سلمان تحديداً في هذه اللحظة؟ فوسط خلافات حول اليمن والسودان والسياسة الإقليمية، يمكن أن تنظر دوائر في الرياض إلى مخاطبة الملك مباشرة باعتبارها محاولة للالتفاف على محمد بن سلمان، الذي يمسك فعلياً بالملفات التنفيذية والسياسة الخارجية للمملكة.
وإذا صحت هذه القراءة، فإن الرسالة تكشف أن الأزمة السعودية–الإماراتية تجاوزت مرحلة الخلافات التكتيكية، ووصلت إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالثقة بين القيادتين وبالقناة التي يمكن من خلالها إدارة الخلاف نفسه.