في تطور خطير ينذر بتحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة، شنت إيران، الأحد، موجة جديدة من الرشقات الصاروخية استهدفت مواقع وصفتها بـ”الحساسة” داخل دولة الاحتلال، وذلك بعد ساعات من الإعلان الرسمي عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال العدوان الإسرائيلي الأمريكي على الأراضي الإيرانية. وبينما تتحدث تل أبيب عن اعتراض عدد من الصواريخ، تؤكد طهران أنها دشنت مرحلة “انتقامية مختلفة وقاسية”، في مؤشر على دخول الصراع منعطفًا غير مسبوق منذ عقود.

خمس رشقات خلال أقل من ساعة.. والإنذار يشمل كل الأنحاء

وسائل إعلام عبرية أكدت أن خمس دفعات صاروخية أطلقت من إيران خلال أقل من ساعة، استهدفت وسط وجنوب دولة الاحتلال، ما أدى إلى تفعيل صفارات الإنذار في كافة المناطق، بما في ذلك تل أبيب ومحيطها. وذكرت صحيفة “هآرتس” أن بعض الصواريخ تم اعتراضها عبر منظومات الدفاع الجوي، بينما لم تكشف السلطات عن حجم الأضرار أو الخسائر البشرية المحتملة.

اللافت في هذه الجولة هو كثافة الإطلاق الزمني، ما يشير إلى اعتماد تكتيك الإغراق الصاروخي لإرباك القبة الحديدية وبقية أنظمة الدفاع، وإجبارها على توزيع قدراتها على أكثر من محور في وقت واحد. هذا الأسلوب يعكس تحولًا نوعيًا في طريقة الرد الإيراني، من ضربات متقطعة إلى موجات مركزة تهدف إلى إحداث ضغط نفسي وعسكري متزامن.

استهداف “المجمع الصناعي العسكري” وقاعدة تل نوف

الحرس الثوري الإيراني أعلن في بيان رسمي أنه استهدف “المجمع الصناعي العسكري في تل أبيب”، إضافة إلى قاعدة تل نوف الجوية في وسط البلاد، وهي إحدى القواعد الجوية الرئيسية التي تستخدمها قوات الاحتلال في عملياتها الإقليمية.

هذا الإعلان يحمل دلالات استراتيجية، إذ إن ضرب منشآت صناعية عسكرية يعني استهداف العمق الإنتاجي للحرب، وليس فقط منصات إطلاق أو مخازن ذخيرة. كما أن ذكر قاعدة تل نوف بالاسم يوحي بأن إيران تسعى لإرسال رسالة واضحة مفادها أن قواعد سلاح الجو – الذي لعب دورًا محوريًا في الهجوم على إيران – باتت ضمن بنك الأهداف المباشر.

وختم الحرس الثوري بيانه بتصعيد لافت، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية “لن تسمح بإسكات أصوات الإنذار في الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية”، متوعداً بضربات “متتالية ومؤسفة”، وهو توصيف يعكس نية الاستمرار في التصعيد وعدم الاكتفاء بجولة رد واحدة.

توسيع دائرة النار.. قواعد أمريكية تحت التهديد

في موازاة استهداف مواقع داخل دولة الاحتلال، أعلن الحرس الثوري أنه ضرب 27 قاعدة أمريكية في المنطقة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية. كما نقلت وكالة “مهر” عن مصادر عسكرية أن موجة واسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة أطلقت نحو قواعد ومصالح أمريكية في الخليج.

وعلى إثر ذلك، دوت صفارات الإنذار في قطر والإمارات والكويت والأردن، فيما أعلنت بعض هذه الدول اعتراض صواريخ عبر منظومات الدفاع الجوي. هذا التطور يعكس انتقال المواجهة من ثنائية “إيران – إسرائيل” إلى ساحة إقليمية أوسع، تشمل القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج.

وتحمل هذه الخطوة رسالة مزدوجة: الأولى أن واشنطن شريك مباشر في العدوان وليست داعمًا خلفيًا فقط، والثانية أن أي مشاركة أمريكية إضافية ستجعل القواعد المنتشرة في المنطقة أهدافًا مشروعة، بما يضع دول الخليج في موقع حساس بين التزاماتها الأمنية ومخاطر الانجرار إلى حرب مفتوحة.

اغتيال خامنئي وشمخاني وباكبور.. لحظة مفصلية

التصعيد الإيراني جاء بعد إعلان التلفزيون الرسمي اغتيال المرشد علي خامنئي خلال الضربات الإسرائيلية الأمريكية. كما أعلنت وكالة “إرنا” مقتل الأمين العام لمجلس الدفاع الإيراني علي شمخاني، والقائد العام للحرس الثوري محمد باكبور.

اغتيال شخصيات بهذا المستوى يمثل تحولًا استراتيجيًا بالغ الخطورة، إذ لم يسبق أن تم استهداف رأس الهرم السياسي والديني في إيران بشكل مباشر. هذا التطور يضع القيادة الإيرانية الجديدة أمام اختبار وجودي، ويجعل خيار “الرد المحدود” شبه مستحيل سياسيًا وشعبيًا.

من منظور استراتيجي، قد تدفع هذه الاغتيالات إيران إلى تبني عقيدة رد طويلة الأمد، تقوم على استنزاف تدريجي ومتصاعد، بدل الاكتفاء بضربات رمزية. كما أن أي إعادة ترتيب داخل المؤسسة الحاكمة قد ترافقها مراجعة شاملة للعقيدة العسكرية، وربما تسريع للبرامج الصاروخية والنووية.

فشل المسار التفاوضي.. وتحذير عماني

المفارقة أن هذا الانفجار العسكري جاء بعد ثلاث جولات تفاوض غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة خلال فبراير الماضي، برعاية عمانية في مسقط وجنيف. ورغم هذه الجهود، اختار الطرفان الانتقال إلى الميدان بدل الطاولة.

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي حذر في بيان لافت من “الانجرار أكثر وراء الحرب ضد إيران”، مؤكداً أن هذه الحرب “ليست حربكم”. هذا الموقف يعكس قلقًا خليجيًا متزايدًا من تحول أراضي المنطقة إلى ساحة مواجهة مباشرة.

إلى أين تتجه المنطقة؟

المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم “الردع المتبادل” إلى منطق المواجهة المفتوحة متعددة الجبهات. فاستهداف قيادات عليا في إيران، ورد طهران بضرب العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية، يرفع سقف المواجهة إلى مستوى غير مسبوق.

الأسئلة المطروحة الآن تتعلق بمدى استعداد واشنطن وتل أبيب لتحمل تبعات حرب طويلة، وبقدرة إيران على إدارة تصعيد واسع دون فقدان السيطرة. كما أن موقف القوى الإقليمية – من تركيا إلى دول الخليج – سيكون حاسمًا في رسم مآلات هذا الصراع.

ما جرى الأحد ليس مجرد رشقات صاروخية جديدة، بل إعلان عملي عن دخول المنطقة في أخطر اختبار عسكري منذ عقود، حيث لم تعد خطوط النار محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت لتطال عمقًا استراتيجيًا واسعًا، مع احتمالات مفتوحة علأى كل السيناريوهات.

اقرأ أيضًا : نقل خامنئي إلى “مكان آمن” بعد الهجوم الإسرائيلي.. هل تدخل المنطقة مرحلة الانفجار الكبير؟