في واحدة من أكثر القضايا الحقوقية إثارة للقلق في المملكة العربية السعودية، يستمر اعتقال الشيخ سلمان العودة – أحد أبرز علماء الأمة الإسلامية – في ظروف قاسية، على رأسها العزل التام في زنزانة انفرادية منذ ما يقرب من 8 سنوات، وسط أنباء متزايدة عن تدهور حالته الصحية، وتجاهل رسمي لأي تحركات جدية لمعالجة ملفه أو الإفراج عنه، رغم الإفراج عن عدد من معتقلي الرأي مؤخراً.

شيخ على فراش المرض.. وفقدان شبه كامل للبصر في إحدى عينيه

تتوالى الأنباء المقلقة عن الوضع الصحي للشيخ سلمان العودة، حيث أفادت مصادر حقوقية موثوقة أنه يكاد يفقد البصر بشكل شبه كامل في إحدى عينيه، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد والمعاناة المستمرة داخل العزل الانفرادي.

وبحسب هذه المصادر، فإن الشيخ يُحتجز في ظروف قاسية تمنع عنه التهوية الملائمة، ولا يحصل على العناية الطبية اللازمة رغم كبر سنه وتدهور حالته الصحية.

وبحسب شهادات مقربين من عائلته، فإن الشيخ يتعرض لما يُصنف وفق القوانين الدولية على أنه تعذيب نفسي وجسدي ممنهج، إذ إن استمرار العزل الانفرادي لهذه المدة الطويلة يعتبر انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية، لاسيما اتفاقية مناهضة التعذيب، التي وقّعت عليها السعودية رسميًا منذ عقود، دون أن تلتزم بها فعليًا في الداخل.

ومع كل ذلك، يُظهر الشيخ، كما يؤكد نجله، تماسكًا نفسيًا ومعنويًا فريدًا، حيث يقضي وقته في قراءة القرآن الكريم والصلاة، رغم الألم والمعاناة اليومية.

تجميد المحاكمة.. وسيف الإعدام المعلّق

منذ اعتقاله في سبتمبر 2017، لم يصدر بحق الشيخ سلمان العودة أي حكم قضائي، رغم عقد عدد من الجلسات في محكمة مكافحة الإرهاب خلال عامي 2018 و2021. وقد شهدت تلك الجلسات مطالبات صادمة من النيابة العامة بإعدامه “تعزيرًا”، بتهم فضفاضة تتعلق بـ”الإرهاب”، على خلفية تغريدات ومواقف دعوية معروفة.

وفي تفاصيل الاتهامات، تبرز أكثر من 2000 تغريدة للشيخ العودة، استخدمتها النيابة كـ”قرائن اتهام”، متهمة إياه بتهم وُصفت بأنها مسيّسة، مثل “عضويته في اتحاد علماء المسلمين” أو “المشاركة في الدفاع عن الرسول”، وهي نشاطات دينية كانت تتم ضمن عمله الدعوي المعروف قبل اعتقاله.

لكن الأكثر غرابة هو تجميد المحاكمة بشكل كامل منذ عام 2021، دون تقديم أي تفسير قانوني أو توضيح، بما يؤكد أن القضية برمّتها مسيسة وليست خاضعة لقواعد العدالة القضائية المستقلة.

وتشير تقارير متقاطعة إلى أن القضية قد تُستخدم كورقة ضغط أو مساومة سياسية، ضمن تحولات النظام في الداخل والخارج، في ظل محاولات تلميع صورته دولياً والترويج لإصلاحات شكلية.

قمع ممنهج للعلماء والدعاة تحت عباءة “الإصلاح”

تندرج قضية الشيخ سلمان العودة في إطار حملة أوسع قادها ولي العهد محمد بن سلمان ضد رموز الصحوة الإسلامية وعلماء الدين المستقلين، منذ بدء صعوده السياسي، حيث تم اعتقال عشرات العلماء والمفكرين، بينهم الشيخ عوض القرني والداعية علي العمري، بتهم مشابهة، كما تم تغييب العديد منهم في السجون دون محاكمات عادلة.

ورغم ما يُشاع عن “انفراجات” في ملف المعتقلين، فإن الواقع يُظهر سياسة انتقائية، تُفرج عن البعض ممن انتهت محكومياتهم أو باتوا لا يشكلون أي خطر سياسي، بينما يُبقى على آخرين – وفي مقدمتهم الشيخ العودة – في السجون، إما كعقوبة إضافية، أو خوفًا من تأثيرهم المحتمل على الرأي العام.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استهداف الشيخ العودة ليس فقط لأنه أحد رموز الصحوة، بل لأنه داعم لنهج الإصلاح الحقيقي والتقارب بين الشعوب الإسلامية، وهو ما لا ينسجم مع توجهات بن سلمان الذي يسعى لتغيير الهوية الدينية والثقافية للمملكة، وتكميم أصوات النقد، حتى لو كانت أصوات علماء ربانيين.

كما أن إبقاء الشيخ العودة رهن الاحتجاز الانفرادي رغم كبر سنه ومعاناته الصحية، يعكس حقدًا سياسيًا شخصيًا من النظام السعودي ضده، وخصوصًا من ولي العهد، الذي يرى في العودة رمزًا قد يُعكر صفو “العهد الجديد” الذي يسعى لتسويقه دوليًا.

صمت دولي وازدواجية في التعامل مع الانتهاكات

رغم كل هذه الانتهاكات، يواصل المجتمع الدولي، وخاصة الحكومات الغربية، الصمت المطبق تجاه ما يجري في سجون السعودية، متجاهلين حالة الشيخ العودة وغيره من المعتقلين، مقابل صفقات السلاح والنفط والشراكات الاقتصادية التي تبرمها السعودية، في مشهد يفضح الازدواجية الصارخة في التعامل مع حقوق الإنسان.

أما المنظمات الحقوقية، ورغم محاولاتها تسليط الضوء على القضية، إلا أن صوتها لا يجد طريقه إلى دوائر القرار المؤثرة، في ظل تعقيدات الواقع الجيوسياسي وميل العواصم الغربية إلى تغليب مصالحها الاستراتيجية على المبادئ.

في الختام.. العودة ليس وحده

تمثل قضية الشيخ سلمان العودة اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الخطاب الدولي حول حقوق الإنسان، كما تمثل جرحًا مفتوحًا في ضمير الأمة الإسلامية، التي ترى أحد كبار علمائها يُعذب ويُحرم من حريته بسبب آرائه السلمية ومواقفه النبيلة.

وفي ظل استمرار العزلة، وتدهور الصحة، والتجميد القضائي المتعمد، تزداد الأصوات المطالبة بإنهاء هذا الظلم الصارخ والإفراج الفوري عن الشيخ العودة، قبل أن يلتهمه السجن، كما التهم من قبله أصواتًا أخرى خمدت خلف الأسوار، في زمن يحكمه الاستبداد والتنكيل لا العدالة والرحمة.

اقرأ أيضًا : بـ 25 مليون والدخول بـ 50 ريال فقط!!.. “نادي ليلي” جديد في أرض الحرمين لتفكيك هوية المجتمع السعودي