في خطوة جديدة تؤكد استمرار المشروع الاستيطاني الإسرائيلي رغم الوعود الأمريكية السابقة بوقف التوسع، صادقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مخطط استيطاني جديد يقضي بالاستيلاء على نحو 35.31 دونماً من أراضي قرية كفر قدوم شرق محافظة قلقيلية شمالي الضفة الغربية، وذلك لصالح توسيع مستوطنة “متسبي يشاي” المقامة على أراضي القرية.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، فإن الأراضي المصادَرة تقع في الحوض رقم (10) بمنطقة تُعرف باسم “واد بروص”، وتأتي هذه المصادرة ضمن خطة تهدف إلى بناء 58 وحدة استيطانية جديدة، ما يعني عملياً توسعة المستوطنة وربطها بشبكة المستوطنات المحيطة في المنطقة، تمهيداً لإحكام السيطرة على الممرات الحيوية بين قلقيلية ونابلس.
ورغم أن الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب كان قد أعلن في أكثر من مناسبة خلال حملته الانتخابية الأخيرة عن “التزامه بعدم دعم أي ضم جديد للأراضي الفلسطينية” حفاظاً على فرص السلام، فإنّ الاحتلال الإسرائيلي يواصل التوسع الممنهج في الاستيطان وكأنّ شيئاً لم يكن، ما يكشف هشاشة تلك الوعود وازدواجية الموقف الأمريكي حيال القضية الفلسطينية.

 

سياسة “الضم الزاحف” وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية
يُعد هذا المخطط جزءاً من سياسة إسرائيلية أوسع تُعرف بسياسة “الضم الزاحف”، حيث يجري تفتيت الأراضي الفلسطينية ومصادرتها تدريجياً تحت ذرائع متعددة مثل “التخطيط العمراني” أو “الأمن”، بينما الهدف الحقيقي هو إحكام السيطرة على الضفة الغربية وتحويل القرى الفلسطينية إلى جزر معزولة.
ففي السنوات الأخيرة، صادقت سلطات الاحتلال على عشرات المخططات المشابهة في محافظات نابلس وبيت لحم وسلفيت والخليل، ليصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية اليوم إلى نحو 770 ألف مستوطن يعيشون في 180 مستوطنة رسمية و256 بؤرة استيطانية غير قانونية، منها أكثر من 136 بؤرة رعوية تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية.
وتسعى إسرائيل، وفق خبراء في شؤون الاستيطان، إلى خلق تواصل جغرافي استيطاني يفصل شمال الضفة عن جنوبها، ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، ما يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً مستحيلاً.
هذا التمدد الاستيطاني يجري في ظل صمت دولي مطبق، بل وتواطؤ ضمني من بعض القوى الغربية التي تكتفي ببيانات “قلق” شكلية، فيما تتعامل حكومة الاحتلال الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو مع الضفة الغربية باعتبارها امتداداً سيادياً لإسرائيل وليس أرضاً محتلة، ضاربة عرض الحائط بكل القرارات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن عام 2016، الذي أكد عدم شرعية المستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1967.

موازاة الاستيطان مع الإبادة في غزة
تأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه إسرائيل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث أسفرت عن استشهاد أكثر من 67 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، وإصابة عشرات الآلاف، وسط مجاعة خانقة أودت بحياة مئات آخرين نتيجة الحصار ومنع المساعدات.
وبالتوازي مع هذه الجرائم في غزة، صعّد جيش الاحتلال والمستوطنون من اعتداءاتهم في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، حيث أسفرت الهجمات اليومية عن استشهاد أكثر من 1046 فلسطينياً وإصابة نحو 10 آلاف آخرين، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 19 ألف شخص، بحسب إحصاءات رسمية فلسطينية.
ويرى مراقبون أن حكومة نتنياهو تستغل انشغال العالم بما يجري في غزة لتمرير مشاريع استيطانية ضخمة في الضفة، بهدف فرض واقع جديد قبل أي تسوية سياسية محتملة. فالمخططات التي تُعتمد اليوم في كفر قدوم وغيرها ليست معزولة، بل تأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية لإعادة رسم الخارطة الديموغرافية للمنطقة، وتحويل الضفة إلى كيان منزوع السيادة تحت السيطرة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
أما الأمم المتحدة، فرغم تأكيدها المتكرر على أن الاستيطان غير قانوني بموجب القانون الدولي ويمثل عقبة أساسية أمام حل الدولتين، فإنها لم تتجاوز مرحلة الإدانة اللفظية. وفي ظل استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط، وتراجع الاهتمام الأوروبي، يبدو أن الاحتلال ماضٍ في سياسة فرض الأمر الواقع، غير آبه بتعهّدات ترامب أو التزامات إسرائيل السابقة في اتفاقيات أوسلو وغيرها.
وهكذا، بينما يُروّج الخطاب الأمريكي لما يسمى “فرص السلام”، تواصل إسرائيل على الأرض سرقة الأرض الفلسطينية دون توقف، لتؤكد من جديد أن كل وعود وقف الضم ليست سوى غطاء دبلوماسي لنهبٍ استيطاني مستمر يُقوّض أي أفق واقعي لحل الدولتين ويكرّس الاحتلال كأمر واقع دائم في فلسطين التاريخية.

اقرأ أيضًا : شجاعة أسطول الصمود تفضح جبن الاحتلال.. بن غفير يصف المتضامنين بـ”الإرهابيين”