شكل استيلاء جماعة الحوثي على مواقع وجزر مطلة على مضيق باب المندب ومدينة المخا أشد انتكاسة تعرضت لها السعودية في اليمن منذ سنوات، حيث كشف التطور الميداني عن إخفاقات استخباراتية صارخة، وانهيار سريع للقوات المناهضة للحوثيين، إلى جانب التأكيد على حدود الضمانات الأمنية الأمريكية لدول المنطقة، بحسب تقرير أعدته وكالة «رويترز» استناداً لمسؤولين ومصادر غربية وإقليمية ودبلوماسية.
ونقلت الوكالة عن مصادر دبلوماسية وباحثين – بينهم نيل كويليام من “تشاتام هاوس” والمحلل فارع المسلمي – أن الهجوم كشف عجز الاستخبارات السعودية عن التقاط الإشارات؛ إذ حشد الحوثيون بهدوء نحو 100 ألف مقاتل متفوقين عديدياً بشكل هائل. وكشفت المصادر عن عوامل تسببت بهذه الهزيمة منها: الانقسامات بين الفصائل اليمنية، وهيكل قيادة سعودي غير مجرب حل مكان الإشراف الإماراتي السابق، وتغطية جوية سعودية محدودة. كما غنم الحوثيون صيداً ثميناً من الأسلحة الأمريكية والسعودية المتطورة التي تخلت عنها القوات الحكومية أثناء انسحابها، وهو ما وصفه الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله بقوله إن القوات الحكومية كانت “أشبه ببيت من ورق ولم تبد أي مقاومة”.
على الصعيد الدبلوماسي، توجه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة لبحث التعاون العسكري مع الرئيس عبد الفتاح السيسي واستكشاف إمكانية لعب مصر دوراً في عمليات البحر الأحمر وتأمين الملاحة، وذلك عقب رفض واشنطن والدول الأوروبية تقديم دعم عسكري مباشر أو شن ضربات مضادة، بل وامتناعها عن الانضمام للتحالف الدفاعي البحري الذي أعلنته الرياض في يوليو/تموز. وأشار المفاوض الأمريكي السابق دينيس روس إلى أن الحوثيين يضغطون لاستغلال نفوذهم لرفع قيود ميناء الحديدة ومطار صنعاء والحصول على تعويضات، فيما يرى محللون أن الموقف الأمريكي الرافض للتدخل يمثل “أكبر تجاهل للترتيب السعودي الأمريكي” منذ عقود، في وقت تحاول فيه الرياض تجنب الوقوع في “فخ اليمن” الذي كان تاريخياً مقبرة للطموحات العسكرية الأجنبية.
تكشف معطيات تقرير «رويترز» عن عمق الانكشاف الاستراتيجي والعسكري الذي بات يواجه المنظومة الدفاعية السعودية في اليمن والممر الملاحي لباب المندب. فتبدد الرهان على القوات المحلية، واغتنام الترسانة العسكرية المتروكة، يوضحان الفجوة الكبيرة بين حجم الإنفاق والتسليح وبين الكفاءة والتنسيق الميداني الحقيقي.
كما يكرس الموقف الأمريكي الرافض للتدخل العسكري المباشر حقيقة تهاوي الضمانات الأمنية الغربية عند مواجهة المخاطر الحقيقية؛ حيث تكتفي واشنطن بإدارة الأزمة وتجنب التورط الميداني. ويضع هذا الانكشاف القيادة السعودية أمام خيارات أحلاها مر؛ فإما التسليم بالشروط السياسية للحوثيين وتكريس نفوذهم ونفوذ طهران على اثنين من أهم الممرات المائية في العالم (هرمز وباب المندب)، أو الاندفاع لنزيف عسكري جديد في اليمن دون مظلة أمريكية أو إقليمية مضمونة.