في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، استيقظت منطقة شرق البحر المتوسط على وقع زلزال عنيف بلغت قوته 6.2 درجات على مقياس ريختر، ضرب المنطقة الحدودية بين جزر دوديكانيسا اليونانية والسواحل الغربية لتركيا، وأثار حالة من الذعر امتدت إلى مدن بعيدة مثل القاهرة والساحل الشمالي في مصر، التي شعرت بالهزة رغم بعدها النسبي عن مركز الزلزال.
الزلزال الذي وقع عند الساعة 2:17 صباحًا بالتوقيت المحلي، تم تحديد مركزه على عمق 75 كيلومترا، وعلى مسافة 22 كيلومترا من جزيرة رودس اليونانية و146 كيلومترا جنوب غرب مدينة دنيزلي التركية، بحسب ما أفاد مركز رصد الزلازل الأوروبي المتوسطي.
ورغم أن الهزة لم تُسفر عن ضحايا أو خسائر مادية كبيرة، إلا أنها أعادت إلى الواجهة الهواجس القديمة في منطقة تُعد من بين الأكثر نشاطًا زلزاليًا في العالم.

تصادم الصفائح التكتونية وتهديدات زلزالية مستمرة
يقع الزلزال ضمن منطقة جيولوجية نشطة تعرف بتقاطع الصفائح التكتونية الثلاث: الصفيحة الأفريقية والصفيحة الأوراسية والصفيحة الأناضولية. وتتحرك الصفيحة الأفريقية شمالًا لتصطدم بنظيرتها الأوراسية، ما يخلق ضغطًا هائلًا على الصفيحة الأناضولية التي تتحرك بدورها نحو الغرب، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد النشاط الزلزالي في المنطقة الممتدة من اليونان إلى تركيا، ويمتد أثره أحيانًا إلى دول مثل مصر وقبرص ولبنان.
اليونان، التي تقع في صلب هذه المنطقة الزلزالية، كانت ولا تزال إحدى أكثر دول أوروبا تعرضًا للهزات الأرضية.
وقد شهدت مؤخرًا نشاطًا متزايدًا في جزيرة سانتوريني، ما أدى إلى عمليات إخلاء واسعة النطاق وإغلاق للمدارس، وهو ما يشير إلى استمرار الخطر الزلزالي وتزايد احتمالات وقوع كوارث طبيعية واسعة النطاق في المستقبل القريب.
مصر في مرمى الزلازل.. ومخاوف من انهيارات بسبب “بنية السيسي”
لكن الاهتمام الأكبر في هذا الزلزال لم يكن فقط بقوته ومكانه، بل بالتبعات النفسية والجغرافية التي وصلت إلى مصر، حيث شعر به سكان القاهرة الكبرى والساحل الشمالي بوضوح، ما أثار موجة من القلق الشديد، خاصة في ظل هشاشة البنية التحتية التي تعاني منها البلاد تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ففي بلد مثل مصر، حيث يشكو المواطنون من سوء التخطيط العمراني وتردي خدمات البناء والمرافق، يمثل أي زلزال – حتى لو كان بعيدًا – تهديدًا حقيقيًا.
وقد أثارت الهزة التي شعرت بها القاهرة جدلًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر آلاف المواطنين عن خوفهم من تكرار سيناريو زلزال عام 1992، الذي أودى بحياة المئات وشرّد الآلاف، وسط بنية تحتية لم تصمد أمام هزة بقوة 5.9 درجات فقط.
وسرعان ما تحوّل القلق الشعبي إلى تساؤلات حادة حول مدى جاهزية الدولة لمواجهة زلازل مشابهة، خصوصًا في ظل مشاريع “الواجهة” التي يتبناها النظام، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، في مقابل تجاهل صارخ لتأهيل المباني القديمة في القاهرة الكبرى وغيرها من المدن المكتظة. بل إن الكثير من المستشفيات والمدارس لا تزال قائمة على أعمدة خرسانية هشة دون أي تدعيم يُذكر.
وقد أشار عدد من خبراء الزلازل والجيولوجيا المحليين إلى أن مصر، ورغم بعدها النسبي عن مراكز الهزات الكبرى في البحر المتوسط، إلا أنها ليست في منأى عن الخطر. فالهزات التي تضرب مناطق مثل رودس أو كريت أو حتى تركيا قد تصل إلى الدلتا والسواحل الشمالية وتسبب أضرارًا، لا سيما في الأبنية المخالفة أو العشوائية، والتي تزايدت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة نتيجة غياب الرقابة الجدية.
غياب خطط الطوارئ في مصر.. وعشوائية الاستجابة
في الوقت الذي سارعت فيه السلطات التركية واليونانية إلى إصدار بيانات تطمينية وفتح قنوات المتابعة الفورية مع فرق الإنقاذ والجهات المختصة، لم تُصدر الحكومة المصرية أي بيان واضح عن مدى تأثر البلاد أو عن خطة مواجهة محتملة في حال تكرار الزلزال أو وقوع هزة أقوى.
غياب التصريحات الرسمية عُدَّ مؤشرا على ضعف الاستعداد المؤسسي لمثل هذه الكوارث، وهو ما عزز المخاوف لدى المواطنين، لا سيما مع تزايد الحديث عن أن العاصمة القاهرة مليئة بالأبنية القديمة، بعضها يعود للعهد الملكي، والتي يمكن أن تنهار في أي لحظة مع هزة متوسطة القوة.
وقد غرد نشطاء عبر “إكس” بعبارات ساخرة ومؤلمة في آنٍ واحد، من قبيل: “زلزال يضرب المتوسط، والناس في مصر خايفة من سقف أوضة يقع عليهم!”، في إشارة إلى انعدام الثقة بين المواطنين والحكومة في قدرة الأخيرة على حمايتهم أو حتى مصارحتهم.
خاتمة: الزلزال كشف هشاشة النظام أكثر من الأرض
في المحصلة، ورغم أن الزلزال لم يسفر عن ضحايا، إلا أن آثاره المعنوية والسياسية كانت واضحة، خاصة في مصر، حيث ظهر أن النظام مشغول ببناء عواصم “إدارية” من الإسمنت، بينما يترك المواطنين يواجهون الزلازل في عشوائيات مهددة بالانهيار.
زلزال فجر الثلاثاء لم يكن مجرد هزة أرضية، بل هزة في الوعي العام، ورسالة تذكير بأن الكوارث الطبيعية لا تنتظر جاهزية الحكومات. والأخطر أن يكون الخطر الزلزالي أهون من زلزال الإهمال الحكومي، الذي لا يرتجف له حجر ولا إنسان.
اقرأ أيضًا : “مادلين” تبحر لفك الحصار عن غزة.. سفينة أمل تتحدى الصمت العالمي