دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة من الاضطراب الحاد بعدما تجاوز سعر برميل النفط حاجز 116 دولاراً لأول مرة منذ سنوات، في قفزة تاريخية تعكس حجم الصدمة التي تعرض لها الاقتصاد العالمي نتيجة الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي. هذا التطور المفاجئ لم يكن مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل شكل ما يشبه “زلزالاً نفطياً” هز الأسواق المالية والاقتصادية في مختلف أنحاء العالم، وأعاد إلى الأذهان أزمات الطاقة الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الماضية.
وجاء هذا الارتفاع الحاد في أعقاب إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً. ومع استمرار الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، بدأت الأسواق تتعامل مع احتمال توقف جزء كبير من إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
في أولى تعاملات يوم الاثنين، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة تقارب 19 بالمئة، أي ما يعادل أكثر من 17 دولاراً دفعة واحدة، ليصل إلى نحو 108 دولارات للبرميل. أما خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، فقد قفز بنسبة تفوق 17 بالمئة ليصل إلى أكثر من 109 دولارات، بينما تجاوزت بعض العقود الفورية حاجز 116 دولاراً في تداولات لاحقة مع استمرار حالة الذعر في الأسواق.
هذا الارتفاع السريع دفع محللين اقتصاديين إلى وصف ما يحدث بأنه أكبر صدمة نفطية منذ عقود، خاصة أن أسعار النفط ارتفعت خلال أسبوع واحد فقط بنحو 35 بالمئة، وهو أكبر ارتفاع أسبوعي منذ أكثر من أربعة عقود.

الخليج يخفض الإنتاج وسط المخاوف الأمنية واللوجستية
التوتر العسكري في المنطقة لم ينعكس فقط على حركة الملاحة، بل امتد أيضاً إلى عمليات الإنتاج نفسها داخل دول الخليج. فقد أعلنت الكويت، خامس أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، خفض إنتاجها نتيجة المخاطر الأمنية المرتبطة بتهديدات إيرانية للسفن العابرة في مضيق هرمز.
كما اتخذ العراق، ثاني أكبر منتج للنفط داخل المنظمة، خطوات مماثلة عبر تقليص مستويات الإنتاج مؤقتاً تحسباً لأي اضطرابات قد تصيب صادراته النفطية. أما الإمارات، ثالث أكبر منتج في أوبك، فقد أعلنت أنها تتعامل بحذر شديد مع الإنتاج في الحقول البحرية، في ظل محدودية قدرات التخزين وارتفاع المخاطر الأمنية في المياه الإقليمية.
وبحسب تقارير الطاقة، فإن بعض دول الخليج تواجه مشكلة إضافية تتمثل في امتلاء مستودعات التخزين لديها، ما يجعل استمرار الإنتاج بالمعدلات السابقة أمراً غير ممكن في ظل تعطل بعض طرق التصدير. هذا الوضع دفع الشركات النفطية إلى تقليل الإنتاج مؤقتاً لتجنب تراكم المخزونات.
وبينما تحاول الدول المنتجة التكيف مع الظروف الجديدة، تبدو الأسواق العالمية أكثر قلقاً من أي وقت مضى، خصوصاً أن أي تعطل طويل الأمد في صادرات الخليج قد يؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات العالمية.
العالم أمام صدمة طاقة جديدة تهدد الاقتصاد العالمي
الارتفاع الكبير في أسعار النفط لا يقتصر تأثيره على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فأسعار الوقود المرتفعة تعني زيادة تكاليف النقل والإنتاج والصناعة، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع معدلات التضخم في معظم الدول.
وقد بدأت بالفعل بعض الأسواق المالية في تسجيل تراجع ملحوظ نتيجة المخاوف من ركود اقتصادي محتمل إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع لفترة طويلة. فالكثير من الاقتصادات الكبرى، خاصة في أوروبا وآسيا، تعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من منطقة الخليج.
كما أن شركات الطيران والنقل البحري والصناعات الثقيلة ستكون من أكثر القطاعات تضرراً من هذه القفزة السعرية، الأمر الذي قد يدفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات طارئة لتخفيف أثر الأزمة على المستهلكين.
ويحذر خبراء الطاقة من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، وربما يتجاوز النفط حاجز 150 دولاراً للبرميل إذا توسعت الحرب أو استمرت لفترة طويلة.
سياسات ترامب والحرب التي دفعت العالم نحو حافة الانفجار
يرى كثير من المحللين أن ما يحدث اليوم في أسواق النفط ليس مجرد نتيجة طبيعية للحرب، بل هو أيضاً انعكاس مباشر لسياسات التصعيد التي تبنتها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب.
فمنذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة، تبنى ترامب خطاباً متشدداً تجاه إيران، ورفض أي مسارات دبلوماسية قد تخفف التوتر. بل إن إدارته دفعت باتجاه تصعيد عسكري واسع شمل ضربات متكررة داخل الأراضي الإيرانية، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد عبر استهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
هذا التصعيد المتبادل أدى في النهاية إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو السيناريو الذي حذر منه خبراء الطاقة والجيوسياسة منذ سنوات باعتباره أخطر تهديد لاستقرار أسواق النفط العالمية.
وبينما كانت بعض دول الخليج تأمل في أن تبقى بعيدة عن أتون المواجهة، وجدت نفسها فجأة في قلب الصراع، تتعرض لهجمات صاروخية ومسيرات، وتواجه مخاطر اقتصادية وأمنية غير مسبوقة.
في ظل هذه التطورات، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي، حيث تتقاطع الحروب الجيوسياسية مع أسواق الطاقة بشكل غير مسبوق. ومع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، تبقى أسواق النفط رهينة للصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما يدفع الاقتصاد العالمي ثمن قرارات سياسية قد تعيد رسم خريطة الطاقة لعقود قادمة.
اقرأ أيضًا تهديد سعودي لإيران وفتح القواعد للأمريكيين يعكس المأزق بين الحرب والتصعيد