في قلب السباق المحتدم على رئاسة بلدية نيويورك، تحوّل السياسي التقدمي زهران ممداني، الأمريكي المسلم من أصول هندية، إلى محور معركة فكرية وأيديولوجية داخل الحزب الديمقراطي، وسط هجوم واسع تقوده شخصيات يهودية نافذة في الكونغرس، تتهمه بـ”معاداة السامية” و”التحريض على العنف”، في حملة يرى فيها البعض محاولة لإسكات الأصوات المناصرة لفلسطين داخل المؤسسات الأمريكية.

لماذا يستهدفون ممداني؟

السبب الرئيسي لغضب اللوبي الصهيوني من ممداني يعود إلى دعمه العلني لحركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، ورفضه إدانة شعار “عولمة الانتفاضة” الذي يُستخدم في التظاهرات المؤيدة لفلسطين. كما أنه تعهد – بشكل صادم للدوائر المؤيدة لإسرائيل – بأنه سيحاول اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا دخل مدينة نيويورك أثناء توليه منصب العمدة.

هذه المواقف دفعت نوابًا يهودًا ديمقراطيين مثل ديبي واسرمان شولتز، وجاريد موسكوفيتز، وغريغ لاندسمان إلى شن حملة تصريحات نارية ضد ممداني، زاعمين أن مواقفه “تؤجج معاداة السامية” و”تُشعر اليهود في نيويورك بالخطر”.

بين الحرية السياسية واتهامات التحريض

يحاول خصوم ممداني ربط دعمه للقضية الفلسطينية بالعنف والكراهية، لكن أنصاره، وعلى رأسهم النائب التقدمي اليهودي جيمي راسكين، يردون بأن هذه الاتهامات تحرف النقاش عن جوهره الحقيقي: حرية التعبير والدفاع عن حقوق الإنسان في سياق الاحتلال الإسرائيلي.

فراسكين صرّح بوضوح أن “شعار عولمة الانتفاضة ليس شعار ممداني، لكنه يرى فيه دعوة إلى توسيع المطالب بالعدالة”، مضيفًا أن “علينا عولمة حقوق الإنسان لا شيطنة من يدافع عنها”.

نيويورك وساحة الصراع بين جناحين ديمقراطيين

أهمية هذا الجدل تتجاوز ترشيح ممداني ذاته. نيويورك – التي تضم أكبر عدد من السكان اليهود في العالم خارج إسرائيل – أصبحت مختبرًا لصراع داخلي متصاعد في الحزب الديمقراطي بين جناح مؤيد بلا قيد لإسرائيل، وآخر يرى أن الوقوف مع حقوق الفلسطينيين لا يُعد معاداة لليهودية، بل انسجامًا مع القيم التقدمية الأمريكية.

ورغم الهجوم، يحظى ممداني بدعم من قطاعات واسعة داخل الحزب الديمقراطي، وخاصة الشباب والملونين، وهو ما ظهر في نتائج الانتخابات التمهيدية التي فاجأت الجميع بفوزه، وفي الاستطلاع الأخير الذي أشار إلى أن ثلث الناخبين زاد تأييدهم له بعد الاطلاع على مواقفه من إسرائيل وBDS.

هل يشكّل ممداني تحوّلاً في السياسة الأمريكية؟

قد لا يكون ممداني هو أول سياسي أمريكي يدافع عن فلسطين، لكنه الأكثر تقدمًا وتحديًا للتيار الصهيوني داخل منظومة الحكم المحلي الأمريكي. مواقفه غير معتادة في السباقات البلدية، لكنه استطاع أن يجعل من نفسه رمزًا جديدًا لحركة تقدمية ترى أن الولاء الأعمى لإسرائيل لم يعد شرطًا للنجاح السياسي.

اللافت أن ممداني لا يتراجع، بل يضاعف ظهوره العلني ويدافع عن مواقفه بقوة، ما جعله قضية رأي عام داخل الجالية اليهودية نفسها، إذ انقسمت بين مؤيدين لحريته في التعبير، وخصوم يرونه تهديدًا لليهود الأمريكيين.

أم أن الهجوم عليه سيشكل سابقة لكبح أي مرشح يحمل مواقف تقدمية جريئة؟

اقرأ أيضا: “زهران ممداني”.. مسلم يفوز بتمهيدية عمدة نيويورك ويتحدى المؤسسة المؤيدة لإسرائيل