لم تحمل زيارة ماكرون إلى القاهرة هذا الأسبوع سوى المزيد من السخط والجدل، بعدما تحولت من لقاء دبلوماسي رفيع إلى مشهد استفزازي يُكرّس دعم الغرب العلني للأنظمة القمعية في المنطقة. على أرض القاهرة، اصطف ماكرون إلى جانب عبد الفتاح السيسي، متجاهلًا آلاف المعتقلين السياسيين، متعاميًا عن الانهيار الحقوقي، ومتواطئًا في صمت مع جرائم تُرتكب في غزة تحت القصف. لم تكن الزيارة رسالة سلام أو دعم للشعوب، بل إعلانًا فجًّا عن شراكة تتغذى على القمع والصفقات وتصفية القضايا العادلة.
تواطؤ فرنسي مع القمع المصري
منذ تولي عبد الفتاح السيسي السلطة في مصر، شهدت البلاد تراجعًا حادًا في مجال حقوق الإنسان، حيث امتلأت السجون بالمعارضين، وتم تكميم الأفواه، وقُضي على أي شكل من أشكال المعارضة. ورغم الإدانات الدولية المستمرة، تستمر فرنسا في تقديم الدعم لهذا النظام القمعي، متذرعةً بمصالحها الاقتصادية وصفقات الأسلحة التي تدر المليارات.
في عام 2015، وقّعت فرنسا صفقة بقيمة 5.2 مليار يورو لتزويد مصر بمقاتلات “رافال” وفرقاطة وصواريخ. لم تكن مجرد تجارة، بل رسالة دعم واضحة لنظام يدهس حقوق شعبه بلا هوادة، وهو ما يجعل ماكرون شريكًا سياسيًا في ترسيخ هذا الواقع القمعي.

زيارة ماكرون إلى القاهرة
ماكرون: شعارات جوفاء وتناقضات فاضحة
لطالما تباهى ماكرون بدفاعه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنه يمارس ازدواجية فاضحة. ففي زياراته السابقة لمصر، تحدّث بخجل عن ملف حقوق الإنسان، مؤكدًا أن الاستقرار لا يمكن فصله عن احترام الحقوق والحريات. لكنه سرعان ما عاد ليصرّح بأن “التعاون الدفاعي لا يجب أن يرتبط بالخلافات حول الحقوق”، في تبرير مستفز يشرعن القمع ويجعل من فرنسا حليفًا رسميًا للديكتاتوريات.
فمن يدّعي قيادة العالم الحرّ لا يمكنه أن يتغاضى عن قمع أكثر من 60 ألف معتقل سياسي في مصر، أو عن حالات الإخفاء القسري والتعذيب الممنهج. إنما حين يصبح القمع صفقة، يتحول الدفاع عن الحقوق إلى مجرد ديكور إعلامي.
غزة تحترق وماكرون يبتسم
جاءت الزيارة في ذروة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث تستمر آلة الحرب في قتل الأطفال والنساء وتدمير المنازل، بينما يقف ماكرون متفرجًا، مكتفيًا بعبارات جوفاء عن “وقف إطلاق النار” دون أن يرف له جفن بشأن الدعم العسكري الفرنسي لإسرائيل.
زيارة ماكرون لمصر كانت غطاءً دبلوماسيًا لتثبيت دور الأنظمة الحليفة لإسرائيل في “إدارة” القضية الفلسطينية، لا دعمًا لحل عادل. فرنسا لم تفرض أي عقوبات، لم تُدن المجازر، لم تطالب حتى بوقف تصدير السلاح. كل ما صدر عن باريس كان أقرب إلى صك غفران لتل أبيب، مختوم بصمت السيسي وتواطؤ ماكرون.
القمة الثلاثية: تحالف من أجل التصفية
القمة التي جمعت ماكرون والسيسي وملك الأردن، تحت غطاء “مساعدة الفلسطينيين”، لم تخرج بجديد سوى الدفع نحو سيناريو سياسي يُقصي المقاومة، ويعيد السلطة الفلسطينية إلى غزة تحت إشراف إقليمي ودولي، دون أي مساءلة للاحتلال أو ضمان لحقوق الفلسطينيين.
القمة كانت استمرارًا لنهج هندسة الوضع الفلسطيني من الخارج، وتحديد “من يصلح” و”من يُقصى” من المعادلة، وفق شروط ترضي إسرائيل وتُجهز على القضية. تحت شعار “إعادة الإعمار”، يُراد تفريغ غزة من مضمونها الوطني، وتحويلها إلى ساحة خاضعة لتوازنات إقليمية مدفوعة بالمال والنفوذ.
المساعدات الإنسانية: ستار دخاني للتواطؤ
أعلن ماكرون عن زيارة للعريش للقاء العاملين في مجال الإغاثة ومتابعة المساعدات لغزة. لكنها خطوة رمزية لا تخفي حقيقة أن باريس، كغيرها من العواصم الغربية، تكتفي بالتنديد اللفظي بينما تُبقي على العلاقات العسكرية والاقتصادية مع إسرائيل دون مساس.
المشهد يُعيد إنتاج معادلة معيبة: سلاح فرنسي يُستخدم في قصف غزة، ثم مساعدات فرنسية تصل للضحايا بعد ذلك. إنها مهزلة أخلاقية تفضح الوجه الحقيقي للدبلوماسية الفرنسية، التي لم تعد تقف إلى جانب الشعوب، بل تدعم المحتل وتُطبع مع القمع.
تذكرة مكشوفة نحو قاع السقوط الأخلاقي
زيارة ماكرون إلى مصر كانت تذكرة مكشوفة نحو قاع جديد من السقوط الأخلاقي للدبلوماسية الفرنسية. في القاهرة، اختار الرئيس الفرنسي الاصطفاف مع المستبدين، وتجاهل الضحايا، وتجميل الجرائم باسم المصالح والتوازنات.
لم تكن زيارته محاولة لحماية المدنيين أو إنقاذ ما تبقى من القيم الأوروبية، بل كانت دعمًا واضحًا للأنظمة التي تخنق شعوبها بالحديد والنار، وتمنح الاحتلال غطاءً لمواصلة إبادته البطيئة لغزة.
في نهاية المشهد، لم يخرج من زيارة ماكرون سوى المزيد من الدم المراق، والمزيد من الأسى على قيم غابت، وحكومات انحازت إلى الباطل في زمن كانت فيه الكلمة يمكن أن توقف مجزرة. لكنهم اختاروا الصمت، ونحن نختار التوثيق والمقاومة بالكلمة.