نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالًا تحليليًا بقلم الكاتب والمحلل السياسي المعروف جوناثان فريدلاند سلط خلاله الضوء على مشهد مأساوي غير مسبوق تعيشه غزة، حيث تُمارس ضد أكثر من مليوني إنسان سياسة تجويع ممنهجة، بينما يقف العالم صامتًا أو متواطئًا، وتُمنح المفاتيح السياسية والإنسانية لواحد من أكثر الزعماء تطرفًا وازدراءً للفلسطينيين: دونالد ترامب.

يبدأ فريدلاند تحليله بالإشارة إلى المفارقة الموجعة: في ذروة المجاعة والانهيار الإنساني في غزة، بات الفلسطينيون مرغمين على تعليق آمالهم على شخص مثل دونالد ترامب يعتبر الأرض الفلسطينية ملكًا لإسرائيل، ولا يخفي رغبته في ترحيل سكان القطاع وتحويله إلى مشروع استثماري فاخر على البحر، كما أشار هو وصهره جاريد كوشنر سابقًا. ورغم ذلك، فإن ترامب هو الرجل الوحيد الذي يمتلك الآن سلطة الضغط الحقيقي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف آلة التجويع الجماعي، أو على الأقل السماح بدخول الإغاثة فورًا.

يشير فريدلاند إلى صور الأطفال الهزلى والأمهات العاجزات التي تصدرت الصحف العالمية مؤخرًا — ومنها صور على الصفحة الأولى من الغارديان والديلي إكسبريس — مؤكداً أن هذه الصور تشكل صدمة لا تُمحى من الذاكرة، وأنها تختصر حجم الكارثة التي تضرب القطاع. ليس فقط المدنيون الجوعى، بل حتى الأطباء يغمى عليهم من الجوع، والصحفيون عاجزون عن العمل، وعمال الإغاثة أنفسهم “يذبلون”، بحسب وصف أكثر من 100 منظمة إغاثة وهيئة حقوقية في بيان مشترك، منها أطباء بلا حدود وأنقذوا الأطفال وأوكسفام.

ورغم محاولات إسرائيل تبرير الكارثة الإنسانية بذرائع لوجستية، مثل “زحام المعابر” أو “عدم قدرة الأمم المتحدة على استلام المساعدات”، إلا أن الحقيقة مختلفة. فالمساعدات لا تدخل أصلًا بسهولة بسبب العقبات التي تفرضها إسرائيل، حيث ترفض إصدار تصاريح المرور، وتحوّل المناطق إلى “مناطق عسكرية”، وترفض ضمان حماية المدنيين من القصف حين يحاولون الوصول إلى شاحنات الطعام.

وفوق ذلك، أشار التقرير إلى أن أكثر من ألف فلسطيني قتلوا بالرصاص الإسرائيلي وهم يحاولون الوصول إلى نقاط توزيع المساعدات، وفقًا للأمم المتحدة. كثير من هذه النقاط تديرها مؤسسة تدعى مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، وهي هيئة مشتركة أمريكية إسرائيلية حلّت محل وكالات الأمم المتحدة، وتقوم بتوزيع الطعام في أربع نقاط فقط، تفتح أحيانًا لمدة 11 دقيقة لا أكثر، وتوصف من قبل مسؤول أممي بأنها “فخ موت سادي”.

يعرض فريدلاند مفارقة صارخة: الدولة التي تنفذ عمليات دقيقة في عمق إيران، وتغتال أفرادًا باستخدام هواتفهم، تمتلك التكنولوجيا والقدرة لإنهاء المجاعة في غزة خلال ساعات، لكنها تختار العكس. إسرائيل، بحسب التحليل، لا تعاني من عجز لوجستي، بل تمارس قرارًا سياسيًا بوقف الغذاء، وتستخدم الجوع كورقة مساومة في مفاوضاتها مع حماس.

في ظل هذا الواقع، يشير فريدلاند إلى أن ترامب هو الوحيد القادر على إيقاف هذه الجريمة الآن. فنتنياهو لم يعد يستطيع الالتفاف على ترامب كما فعل سابقًا مع بايدن. وإذا طالب ترامب بإنهاء الحرب، فستنتهي، وإذا أمر بتوفير الغذاء، فسوف يتغذى الأطفال. إنه يمتلك القوة، والسؤال الوحيد هو: هل يمتلك الرغبة؟

هنا يدخل فريدلاند في تحليل شخصية ترامب، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي لديه حساسية من صور المعاناة، وقد يكون مدفوعًا بشهوة الحصول على جائزة نوبل للسلام، التي طالما أرادها. وإذا تم استثمار هذه الثغرة النفسية بذكاء، فقد تتحول إلى فرصة إنقاذ حقيقية.

في الأيام القادمة، يلتقي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بالرئيس ترامب في اسكتلندا. يطالب فريدلاند ستارمر بأن يستغل الفرصة، لا لمناقشة الرسوم الجمركية أو حلف الناتو، بل ليضغط على ترامب بشكل مباشر لوضع حد للتجويع والإبادة في غزة. بإمكان ستارمر أن يغازل ترامب بحلمه بجائزة نوبل، أو يخبره بأنه الوحيد القادر على صنع التاريخ، لكن عليه أن يتحدث — الآن.

الرسالة الأساسية من تحليل فريدلاند أن العالم يشهد كارثة إنسانية متعمدة، وأن الاحتلال الإسرائيلي يواصل استخدام التجويع كسلاح ضغط سياسي، وسط تواطؤ دولي وصمت أخلاقي. وإذا لم يتحرك من يمتلكون النفوذ — من واشنطن إلى لندن — فإن المجاعة في غزة لن تكون مجرد كارثة، بل جريمة معلنة ضد الإنسانية.