في تصعيد لافت يؤشر إلى تغيير في قواعد الاشتباك، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، عن تنفيذ قصف صاروخي استهدف قاعدة “حتسريم” الجوية الإسرائيلية الواقعة في مدينة بئر السبع، إلى جانب مستوطنات غلاف غزة، وذلك ردًا على ما وصفته بـ”جرائم العدو الصهيوني بحق أبناء شعبنا الفلسطيني”. 

هذه العملية التي تكررت خلال أسبوع واحد تشير إلى تكتيك تصعيدي منظم، لا يهدف فقط إلى الرد العسكري بل إلى إرسال رسائل استراتيجية واضحة في أكثر من اتجاه، أبرزها الداخل الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية والعسكرية، وكذلك حلفاء تل أبيب في الخارج.

 

رمزية استهداف “حتسريم”

استهداف قاعدة “حتسريم” الجوية ليس مجرد رد على عدوان، بل يحمل دلالات عسكرية عميقة.

القاعدة تُعد من أهم القواعد الجوية في الجنوب الإسرائيلي، وتضم أسرابًا من الطائرات المقاتلة وطواقم التدريب، إضافة إلى كونها مركزًا محوريًا في عمليات الدعم والإسناد الجوي.

لذلك، فإن قصفها يمثل تطورًا نوعيًا في مسار المواجهة، حيث تعمل المقاومة على كسر المعادلة التي أرادت إسرائيل فرضها بأن تبقى غزة “ساحة للضرب فقط” دون أن تتأثر مراكزها الاستراتيجية الحساسة.

وتكشف المقاطع التي بثتها سرايا القدس عن رصد دقيق لحركة الجنود والآليات قبل تنفيذ القصف، ما يؤكد امتلاك فصائل المقاومة قدرات استخبارية ميدانية متقدمة، ربما عبر طائرات مسيرة أو خلايا استطلاع بشرية تعمل في الميدان.

تكتيك تعدد الجبهات واختبار الجاهزية الإسرائيلية

إلى جانب قاعدة “حتسريم”، تواصل سرايا القدس قصف مستوطنات غلاف غزة، وعلى رأسها سديروت، ما يعكس استراتيجية ضغط متعددة المحاور. 

فبينما تهدف الضربات على القاعدة إلى إرباك المنظومة العسكرية وتوجيه ضربة معنوية لمؤسسة الجيش، فإن قصف المستوطنات يسعى إلى ضرب الجبهة الداخلية وزعزعة ثقة المستوطنين بالحكومة الإسرائيلية. 

هذا التعدد في الجبهات يضع الجيش الإسرائيلي في موقف دفاعي، ويدفعه إلى استنفار قواته على أكثر من محور، مما يكشف عن إرادة المقاومة في استنزاف قدرات الاحتلال، ووضعه تحت ضغط دائم، خاصة في ظل الحديث المتكرر عن هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية. 

ويأتي هذا القصف أيضاً في وقت حساس، حيث يعاني المجتمع الإسرائيلي من أزمات سياسية داخلية وتباين حاد في المواقف إزاء مستقبل الحرب على غزة.

رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الرد

العمليات التي نفذتها سرايا القدس، وفق ما ورد في المقاطع المصورة، ليست فقط ردودًا على جرائم الاحتلال، بل تحمل رسائل سياسية مدروسة. 

فمن جهة، تؤكد الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها الجهاد الإسلامي، أن الرد على العدوان لا يكون فقط عبر الكلمات أو البيانات، بل من خلال أفعال ميدانية مؤثرة تمس قلب المنظومة العسكرية الإسرائيلية. 

ومن جهة أخرى، فإن تكرار القصف على ذات الأهداف، خلال أسبوع واحد، يهدف إلى ترسيخ معادلة جديدة قوامها: “كل عدوان سيُقابل باستهداف نوعي”. 

كما أن نشر الفيديوهات المصورة، التي توثق لحظة الرصد والتجهيز والتنفيذ، يعكس رغبة المقاومة في مخاطبة جمهورين في آن واحد: الشعب الفلسطيني لتعزيز ثقته بالمقاومة، والعدو الصهيوني لبث الرعب داخل صفوف جنوده ومجتمعه.

وفي السياق ذاته، فإن اختيار توقيت القصف يحمل أبعادًا سياسية، إذ يتزامن مع جهود دولية للتهدئة ومحاولات الضغط على الفصائل الفلسطينية لوقف العمليات. 

لكن الرسالة التي تحملها صواريخ سرايا القدس تقول بوضوح إن “التهدئة لا تُمنح مجانًا”، وأن الأمن في إسرائيل لن يتحقق إلا بوقف العدوان على الفلسطينيين، ورفع الحصار عن غزة.

معادلات تتغير وميدان يتسع

في ظل هذا التصعيد، يبدو أن فصائل المقاومة، وعلى رأسها سرايا القدس، تتجه نحو رسم معادلات جديدة في الصراع مع الاحتلال، تقوم على الردع الاستراتيجي والضغط النفسي، مع الحفاظ على عنصر المبادرة الميدانية.

واستهداف قاعدة “حتسريم” يؤكد أن زمن الاقتصار على قصف المستوطنات قد ولى، وأن القادم قد يشمل أهدافًا أكثر حساسية إن استمر العدوان الإسرائيلي. 

في المقابل، فإن رد فعل الاحتلال على هذا التصعيد سيحدد شكل المرحلة القادمة: هل يسعى إلى احتواء الرد وامتصاص الضربة، أم يلجأ إلى تصعيد أكبر؟ في كلتا الحالتين، فإن المشهد يزداد تعقيدًا، فيما تزداد المقاومة جرأة وتنوعًا في أدواتها.

اقرأ أيضًا : مساعٍ إسرائيلية جديدة لاستهداف المسجد الأقصى المبارك