في أحدث تصريحاته المثيرة للجدل، جدّد الرئيس التونسي قيس سعيّد نفيه لما وصفه بـ”مزاعم تصفية الحسابات”، مؤكدًا أن “المحاسبة” التي تنفذها السلطات التونسية ليست إلا تطبيقًا للقانون، وأنها لا تستهدف أحدًا على خلفية الانتماء السياسي أو الرأي، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات المحلية والدولية بشأن تدهور الحريات وانزلاق البلاد نحو الحكم الفردي.

وبينما تتواصل حملات الاعتقال التي طالت معارضين وصحفيين ونشطاء، اتهم سعيّد جهات خارجية بتمويل ما سماها “الحملات المدفوعة الأجر” بهدف تشويه صورة تونس وبث الفوضى، ما اعتبره مراقبون محاولة مكشوفة لتبرير القمع المتصاعد وتخوين كل صوت ناقد.

الشارع يغلي.. وسعيّد ينفي “القمع السياسي”

تزامنت تصريحات سعيّد مع مظاهرات شعبية جابت شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، في ذكرى عيد الجمهورية، دعت إليها “جبهة الخلاص الوطني” المعارضة و”تنسيقية عائلات السجناء السياسيين”، إضافة إلى الحزب الجمهوري. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بالإفراج الفوري عن من وصفوهم بـ”المعتقلين السياسيين”، في إشارة إلى عشرات الشخصيات المعارضة الذين يقبعون في السجون منذ أشهر، ومنهم محامون وإعلاميون ونشطاء بارزون، بتهم تتراوح بين “التآمر على أمن الدولة” و”التحريض على الفوضى”.

الحكومة التونسية من جهتها تصرّ على أن الاعتقالات لا علاقة لها بالسياسة، وتؤكد أن كل الموقوفين يحاكمون بقضايا جنائية. لكن منظمات حقوقية، على رأسها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، أكدت أن التهم المُوجّهة للمعارضين “فضفاضة”، وأن المحاكمات تشوبها خروقات قانونية، وتتم في سياق “ترهيب ممنهج لكل من يعارض توجهات سعيّد”.

ويبدو أن الخطاب الرسمي التونسي بات يستند إلى معادلة واضحة: أي احتجاج أو معارضة داخلية يُتهم مباشرة بأنه مدفوع من الخارج، وأي نشاط إعلامي ناقد يُوصف بأنه “حملة مأجورة”، فيما يواصل سعيّد إحكام قبضته على مفاصل الدولة، متجاهلاً التدهور الاقتصادي والاجتماعي المتسارع.

“تحرير وطني أم قمع منظم؟”

في كلمته خلال اجتماعه برئيسة الحكومة نجلاء بودن، تحدث سعيّد بلغة حماسية أشبه بخطابات التحرير، مؤكدًا أن الشباب “سيحلّ محل المقصرين” في الدولة، وسيساهم في “معركة تحرير وطنية بروح المناضل”. وهو الخطاب الذي يراه كثيرون محاولة لشيطنة خصومه ووصفهم كخونة متعاونين مع جهات أجنبية، وهو أسلوب لطالما استخدمته الأنظمة التسلطية في المنطقة لتبرير قمعها.

لكن خلف هذا الخطاب الثوري، تتسع قائمة المعتقلين وتُغلق المساحات الحرة أمام الإعلام والمجتمع المدني. فقضية “التآمر على أمن الدولة” التي تفجّرت في فبراير 2023، استُخدمت لإسكات عدد كبير من الأصوات المعارضة، حيث تم الزج بسياسيين ومحامين ورجال أعمال في السجن دون محاكمات عادلة، وفقًا لتقارير منظمات حقوقية.

ومع تصاعد القلق الداخلي والخارجي، يلجأ سعيّد إلى مهاجمة “الخارج” باعتباره السبب في ما وصفه بـ”الأكاذيب والأراجيف”، متهمًا أطرافًا لم يسمها بالوقوف وراء الحملات الإعلامية ضده، وهو ما يزيد من عزلة تونس الدولية، خاصة بعد تدهور العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسبب سجل حقوق الإنسان.

نهاية الديمقراطية؟

منذ انقلاب 25 يوليو 2021، الذي جمد فيه سعيّد البرلمان وعلّق العمل بالدستور، يشهد المشهد السياسي في تونس تحولات جذرية، نقلت البلاد من نموذج ديمقراطي ناشئ إلى وضع أشبه بالحكم الفردي المطلق. فرئيس الجمهورية يحتكر الآن السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، بعد حل البرلمان، وإقالة عشرات القضاة، وفرض دستور جديد يوسّع من صلاحياته، دون رقابة أو توازن.

واليوم، يبدو أن سعيّد يواصل طريقه في هذا المسار، رافضًا كل المبادرات الوطنية والدولية للحوار، بل ومتهمًا أي دعوة للانتخابات النزيهة أو إطلاق سراح المعارضين بأنها “خيانة” أو “تآمر خارجي”. فيما بات المشهد الاقتصادي أكثر قتامة، مع تفاقم البطالة وندرة المواد الأساسية وارتفاع نسب الفقر، في وقت تفقد تونس تدريجيًا دعم شركائها الدوليين.

خاتمة: الدولة في خطر

تصريحات سعيّد الأخيرة ليست سوى محاولة للهروب إلى الأمام، عبر خطاب التخوين وتصدير الأزمة إلى “أعداء خارجيين”. لكن الحقائق على الأرض تشير إلى أزمة عميقة داخلية، تتعلق بانهيار منظومة الحقوق والحريات، وتفكك المؤسسات، وغياب أي أفق للخروج من النفق المظلم.

وفي ظل هذا المشهد، تبقى تونس بحاجة إلى حل سياسي حقيقي، يعيد التوازن للمؤسسات ويؤسس لمسار ديمقراطي جامع، بعيدًا عن لغة القمع والخطابات الشعبوية. فالدولة، بكل ما تحمله من تاريخ، في خطر حقيقي.

اقرأ أيضًَا : صحف عالمية: على بريطانيا معاقبة الاحتلال وحماس تتفوق في ساحة الوعي