في مشهد يعكس تصاعد التوتر الدبلوماسي السوداني ضد قوات الدعم السريع ومموليها الإقليميين، خرج سفيرا السودان في كلٍّ من السعودية ومصر بتصريحات نارية، توعّدا فيها بطرد قوات الدعم السريع من مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، واتّهماها بارتكاب فظائع غير مسبوقة ضد المدنيين.
هذه التصريحات جاءت بعد أسابيع من المجازر التي ارتكبتها قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) في المدينة، وسط اتهامات متصاعدة لدولة الإمارات بتمويل وتسليح هذه الميليشيا في إطار مشروع نفوذها في السودان وغرب إفريقيا.

الخرطوم تتحرك دبلوماسيًا: “سنطرد الدعم السريع”
خلال مؤتمر صحفي في العاصمة السعودية الرياض، قال السفير السوداني دفع الله الحاج علي إن الجيش السوداني “سيستعيد الأمن والاستقرار في البلاد ويطرد قوات الدعم السريع من الفاشر وجميع أراضي السودان”، مؤكدًا أن هذه القوات ترتكب جرائم قتل واغتصاب وتعذيب واعتقالات بحق المدنيين.
وأشار السفير إلى مجزرة المستشفى السعودي بالفاشر التي قُتل فيها أكثر من 400 مريض، معتبرًا أن “الفظائع التي وثّقتها قوات الدعم السريع بنفسها يجب ألا تمر دون حساب من المجتمع الدولي”.
وفي القاهرة، عقد السفير السوداني عماد الدين عدوي مؤتمرًا مماثلًا، كشف فيه أن “مليشيا الدعم السريع أعدمت نحو 2700 شخص حتى يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول الماضي”، داعيًا إلى “تدخل عاجل لحماية المدنيين وفرض ممرات إنسانية آمنة ووقف تدفق السلاح إلى الجهة المعتدية ومموليها”.
كارثة إنسانية: الفاشر تتحول إلى مدينة أشباح
تزامن ذلك مع تحذيرات منظمات أممية من انهيار الوضع الإنساني في الفاشر، حيث ما تزال قوات الدعم السريع تمنع آلاف المدنيين من مغادرة المدينة وتصادر وسائل النقل التي كانت تُستخدم لإجلائهم.
وقالت شبكة أطباء السودان إن الميليشيا تحتجز المصابين وتعيد النازحين قسرًا إلى المدينة، بينما يواصل آلاف آخرون الهرب سيرًا على الأقدام إلى بلدة طويلة على بعد 60 كيلومترًا، عبر ما وصفه الأهالي بـ“طريق الموت”.
ووفق تقديرات الأمم المتحدة، تسببت المعارك وانتهاكات الدعم السريع في نزوح أكثر من 6 ملايين سوداني منذ اندلاع الحرب، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال الذين يواجهون المجاعة والجفاف في مناطق اللجوء.
إجرام الإمارات: من تمويل حميدتي إلى التواطؤ في دارفور
التصريحات السودانية الأخيرة تُعدّ تطورًا لافتًا في الخطاب الرسمي، إذ حملت لأول مرة تلميحًا واضحًا نحو “مُمولي” الدعم السريع، في إشارة إلى دولة الإمارات التي تُتهم بتزويد قوات حميدتي بالسلاح عبر طرق سرية تمر من ليبيا وتشاد.
وتؤكد تقارير من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، منها Global Witness وBloomberg، أن شركات إماراتية مثل “إيدج” و“نمر” وفّرت آليات مدرعة ومعدات لوجستية لقوات الدعم السريع خلال السنوات الماضية، في مخالفة صريحة لحظر السلاح المفروض على السودان.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها جامعة ييل بالتعاون مع مركز “Conflict Observatory” الأمريكي وجود جسور جوية لنقل الذخيرة من قاعدة الغويفات الإماراتية إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور، ما يجعل أبوظبي متورطة في “جرائم حرب محتملة” بحسب مراقبين.
الفاشر.. مفتاح دارفور ومعركة النفوذ
تمثل السيطرة على الفاشر تحولًا استراتيجيًا في الصراع، إذ إنها آخر معاقل الجيش السوداني في دارفور، وبسقوطها أصبحت قوات الدعم السريع تسيطر على جميع ولايات الإقليم الخمس.
هذه السيطرة تفتح أمام حميدتي ممرات حيوية نحو ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وتتيح له التحكم في طرق الذهب والتهريب، وهو ما يتقاطع مع مصالح الإمارات الاقتصادية في الذهب السوداني وشبكات التهريب عبر الساحل والصحراء.
وبذلك، فإن معركة الفاشر ليست مجرد صراع عسكري داخلي، بل جزء من “حرب بالوكالة” تمولها أبوظبي لبناء نفوذ سياسي واقتصادي في إفريقيا على حساب استقرار السودان ووحدة أراضيه.
ختام: حرب تتجاوز الخرطوم
التصعيد الدبلوماسي من قبل الخرطوم يشير إلى بداية مواجهة مفتوحة ليس فقط مع قوات حميدتي، بل مع القوى الخارجية التي تقف خلفها.
وإن كان السفير السوداني قد تحدث من الرياض، والآخر من القاهرة، فإن الرسالة موجهة بالأساس إلى أبوظبي التي باتت تُحمّل مسؤولية مباشرة عن مجازر دارفور.
فبينما يفر المدنيون على “طريق الموت”، ويُدفن المئات في مقابر جماعية، تواصل الإمارات – وفق الاتهامات – دعم ميليشيا حولت دارفور إلى مسرح للتطهير العرقي ونهب الموارد.
ومع تعهد الدبلوماسيين السودانيين بطرد الدعم السريع واستعادة الفاشر، يبدو أن الحرب دخلت مرحلة جديدة عنوانها: “من دارفور إلى الخليج.. تتعرّى خيوط إجرام الإمارات.”
اقرأ أيضًا : وسط صمت مطبق من سلطة عباس: تصعيد دموي للمستوطنين في الضفة