في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، استقبل سفير السعودية لدى اليمن محمد آل جابر، في العاصمة الرياض، وفدًا من ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، في لقاء قُدّم رسميًا بوصفه بحثًا لـ“الترتيبات الجديدة” بعد مرحلة رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، الذي أكد التحالف الذي تقوده السعودية هروبه إلى أرض الصومال ومنها إلى أبو ظبي.

اللقاء، الذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، يعكس تحركًا سعوديًا لإعادة ضبط إيقاع المشهد الجنوبي، بعد أن تسببت مغامرات قيادة الانتقالي، بوصفه ميليشيا انفصالية، في تعميق الانقسام وتهديد ما تبقى من تماسك سياسي وأمني في المناطق الجنوبية.

رسالة قطيعة مع مرحلة الزبيدي

اللافت في تصريحات آل جابر هو تحميله الصريح لتحركات الانتقالي، “بتوجيه من عيدروس الزبيدي”، مسؤولية الإساءة للقضية الجنوبية والإضرار بوحدة الصف. هذا التوصيف لا يبدو عابرًا، بل يمثل إعلانًا غير مباشر عن انتهاء مرحلة كان فيها الزبيدي يُعامل كأمر واقع، وبداية مسار جديد تسعى فيه الرياض إلى تفكيك إرث التصعيد والفوضى الذي خلّفته قيادته.

وتسعى السعودية، بحسب مراقبين، إلى الفصل بين “القضية الجنوبية” كملف سياسي قابل للنقاش، وبين الممارسات المسلحة للانتقالي، التي تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى عبء أمني وسياسي، لا يخدم سوى مشاريع خارجية متناقضة مع وحدة اليمن واستقراره.

مؤتمر الرياض: احتواء لا تمكين

حديث السفير السعودي عن الترتيبات لمؤتمر القضية الجنوبية المرتقب في الرياض يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لدور هذا المؤتمر. فبعيدًا عن كونه منصة لتمكين الانتقالي، يبدو أنه أداة لاحتواء الفاعلين الجنوبيين وإعادة هندسة المشهد، ضمن سقف سياسي ترسمه الرياض، ويهدف إلى منع انفجار جديد في الجنوب، وليس إلى تكريس مشروع الانفصال.

هذا التوجه يعكس قناعة سعودية متزايدة بأن ترك ملف الجنوب رهينة للميليشيات والانقسامات الداخلية يهدد ليس فقط اليمن، بل أمن السعودية نفسها، في ظل هشاشة التوازنات الإقليمية.

الانتقالي في موقف دفاعي

من جهته، حاول القيادي في الانتقالي محمد الغيثي إظهار قدر كبير من الليونة، مؤكدًا “الثقة المطلقة” في المملكة، ورفض كل ما يضر بوحدة الصف. هذا الخطاب التصالحي يعكس، في جوهره، وضعًا دفاعيًا يعيشه المجلس بعد سقوط رأسه السياسي، ومحاولة يائسة لإعادة التموضع تحت المظلة السعودية، بعد أن باتت المظلة الإماراتية أقل قدرة أو رغبة في توفير الحماية.

صراع قوى الشر: السعودية والإمارات في اليمن

لا يمكن قراءة هذا اللقاء بمعزل عن الصراع غير المعلن بين الإمارات والسعودية داخل اليمن. فمنذ سنوات، رعت أبو ظبي الانتقالي كميليشيا انفصالية تخدم مصالحها في الموانئ والجزر والممرات البحرية، بينما حاولت الرياض، ولو ببراغماتية، الحفاظ على وحدة اليمن ومنع انهياره الكامل.

هروب الزبيدي إلى أبو ظبي، مرورًا بأرض الصومال، كشف هشاشة المشروع الإماراتي في الجنوب، وأظهر أن “قوى الشر” التي تتصارع على اليمن لا تتردد في التخلي عن أدواتها عند أول مأزق، تاركة الفوضى خلفها.

ما بعد الزبيدي: ترويض الميليشيا أم تفكيكها؟

السؤال المطروح اليوم ليس فقط من سيقود الانتقالي، بل ما إذا كان سيُسمح له بالاستمرار كميليشيا انفصالية مسلحة. المؤشرات توحي بمحاولة سعودية لترويض المجلس سياسيًا وأمنيًا، عبر تقليص نفوذه العسكري وإدخاله في مسارات حوار مضبوطة، لكن هذا الخيار يظل محفوفًا بالمخاطر، في ظل سجل طويل من الانتهاكات والصدامات.

اليمن بين الاستقرار المؤجل والفوضى المستمرة

في المحصلة، يعكس اجتماع آل جابر بوفد الانتقالي بداية مرحلة “ما بعد عيدروس”، حيث تحاول السعودية إعادة الإمساك بملف الجنوب، وسط صراع إقليمي محتدم، وتناقض مشاريع قوى الشر المتصارعة على الأرض اليمنية. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بقدرة الرياض على كبح التدخلات الإماراتية، ومنع إعادة إنتاج الفوضى بأسماء جديدة، في بلد أنهكته الحروب والانقسامات.

اقرأ أيضًا : مستوطنون يقتحمون الأقصى وهدم ممنهج يلتهم القدس