رغم الحرب الدامية المستمرة في غزة، والتوترات المتصاعدة على حدود فلسطين، تشير التقارير الإسرائيلية إلى إقبال لافت من المواطنين الإسرائيليين على السفر إلى سيناء المصرية، خصوصًا خلال المناسبات الدينية.
فبحسب صحيفة إسرائيل هيوم العبرية، تستعد سلطة المطارات في تل أبيب لمرور أكثر من 40 ألف إسرائيلي إلى سيناء خلال عيد الفصح اليهودي، وهو ما يأتي بعد أيام فقط من عبور 25 ألفًا آخرين إلى شبه الجزيرة في عطلة عيد الفطر الإسلامي.
هذه الأرقام تطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة المصرية-الإسرائيلية في هذه المرحلة، وحول ما إذا كانت هذه التنقلات تعكس تطبيعًا بين حكومة السيسي والاحتلال يتجاوز حدود المعاهدات الرسمية.

الإقبال الإسرائيلي على سيناء.. أرقام ودلالات
تشير المعطيات التي نشرتها صحيفة إسرائيل هيوم إلى أن آلاف الإسرائيليين لا يزالون يعتبرون سيناء وجهة مفضلة لقضاء الإجازات، رغم الحرب في غزة ورفع مستويات التحذير من السفر.
ففي عام 2023، بلغ عدد الإسرائيليين الذين دخلوا سيناء خلال عيد الفصح نحو 100 ألف شخص، معظمهم من اليهود. أما هذا العام، فرغم تصاعد التحذيرات الأمنية، لا تزال التقديرات تتحدث عن 40 ألف مسافر خلال عيد الفصح فقط.
ووفق الصحيفة نفسها، فإن 25 ألف إسرائيلي قد دخلوا سيناء الأسبوع الماضي لقضاء عطلة عيد الفطر، رغم أن هذه المناسبة لا تخص الديانة اليهودية، ما يعكس بعدًا سياحيًا بحتًا لا علاقة له بالأعياد الدينية.
هذه الأرقام تؤكد أن سيناء باتت تشكّل متنفسًا حيويًا للإسرائيليين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإجازات داخل إسرائيل مقارنة بأسعار الإقامة في المنتجعات المصرية.
فنفس الصحيفة تنقل عن مسؤول سياحي قوله: “غرفة في فندق 4 أو حتى 5 نجوم تكلف 300-400 شيكل في الليلة، بما في ذلك الإفطار لزوجين. لن تجد هذا السعر في أي مكان في إسرائيل”.
الأمن غائب.. و”الحرب غير محسوسة” في سيناء
اللافت في تصريحات السياح الإسرائيليين والمسؤولين السياحيين هو تأكيدهم أن “الأجواء في سيناء هادئة”، وأنه “لا يوجد إحساس بالحرب”. بل إنهم يتحدثون عن كرم المصريين وعدم التطرق إلى السياسة، في وقت تعاني فيه المنطقة من واحدة من أشد الحروب دمويةً في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
رغم أن الاحتلال رفع مستوى التحذير من السفر إلى سيناء إلى أعلى درجة منذ السابع من أكتوبر، فإن سلوك الإسرائيليين لا يعكس أي استجابة فعلية لهذه التحذيرات، بل يبدو أنهم يتجاهلونها تمامًا، مدفوعين بعوامل اقتصادية و”راحة نفسية” يجدونها في الشواطئ المصرية.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا التوافد يعكس تراجعًا في الحس القومي أو حتى الإدراك الشعبي بخطورة المرحلة الراهنة، إذ يغيب الإحساس بالحرب خارج نطاق حدود غزة. وهو ما يدفع للتساؤل: كيف يمكن تفسير هذا السلوك؟ هل هو إنكار للواقع؟ أم أن الأمر يعكس تطبيعًا غير معلن بات جزءًا من ثقافة الجانبين؟
التطبيع من بوابة السياحة.. وصمت مصري رسمي
يبدو أن العلاقة بين القاهرة وتل أبيب تتخذ اليوم شكلًا جديدًا من أشكال التطبيع غير الرسمي، حيث تتجاوز السياحة الإسرائيلية إلى سيناء مجرد السياحة لتصبح تعبيرًا عن واقع سياسي وأمني مستقر بين الطرفين، رغم كل التوترات الإقليمية.
والمفارقة أن هذه الظاهرة تمر وسط صمت مصري رسمي مطبق، بل وربما تسهيلات ضمنية غير معلنة، تُغري السياح الإسرائيليين بالسفر إلى سيناء عبر معبر طابا، في وقت تتخذ فيه مصر مواقف سياسية علنية “داعمة للفلسطينيين”.
التناقض بين الخطاب السياسي المصري الذي ينتقد ممارسات الاحتلال، وبين الواقع الميداني الذي يتيح للإسرائيليين دخولًا آمنًا ومريحًا إلى الأراضي المصرية، يثير تساؤلات حول جدية تلك المواقف، ومدى انسجامها مع ما يجري فعليًا على الأرض.
كما أن غياب أي رد فعل شعبي مصري على تزايد أعداد الإسرائيليين في سيناء، خصوصًا في ظل مشاهد الدمار في غزة، يعكس حالة من الإحباط أو اللامبالاة السياسية لدى الشارع المصري، أو ربما إرهاقًا عامًا من قضايا المنطقة وسط الأزمة الاقتصادية الداخلية.
ما بين السياحة والتطبيع.. سيناء مرآة لعلاقات غير معلنة
في النهاية، يمكن القول إن الإقبال الإسرائيلي المتزايد على سيناء ليس مجرد ظاهرة سياحية عابرة، بل هو مؤشر سياسي واجتماعي وثقافي عميق، يكشف عن تطبيع يتسلل عبر البوابة الاقتصادية والسياحية، مستفيدًا من الصمت الرسمي والواقع الشعبي المرهق في مصر.
وفي الوقت الذي تشتعل فيه الحروب وتُرفع فيه رايات المقاطعة على المستوى الخطابي، تتواصل رحلات الاستجمام الإسرائيلية إلى شواطئ سيناء، لتبقى هذه الأرض المصرية مرآةً صامتة لحقيقة العلاقات بين القاهرة وتل أبيب.
اقرأ أيضًا : تواطؤ تقني مع الاحتلال: فضيحة ميتا وتغلغل الجنود الإسرائيليين في منصات الرقابة على المحتوى المؤيد لفلسطين