شهدت عدة محافظات يمنية خلال الأيام الأخيرة أمطارًا غزيرة تسببت في سيول جارفة أدت إلى وفيات وأضرار واسعة في الممتلكات العامة والخاصة. 

هذه الكارثة الطبيعية أعادت إلى الواجهة قضية تهالك البنية التحتية في البلاد، وهي نتيجة مباشرة للحرب الممتدة منذ ما يقارب العقد، إضافة إلى دور قوى إقليمية كالإمارات التي ساهمت في تفكيك مؤسسات الدولة ونهب ثرواتها النفطية والاقتصادية، تاركة اليمنيين عُزلاً أمام الكوارث.

حضرموت وشبوة.. خسائر بشرية ومادية

في محافظة حضرموت شرقي اليمن، تسببت الأمطار الغزيرة في فيضانات اجتاحت مديريات عدة. وأعلنت وزارة الداخلية في الحكومة المعترف بها دوليًا وفاة شاب جرفته السيول في مديرية حريضة، كما أدى انقلاب شاحنة محملة بالأغنام في مديرية ثمود إلى نفوق 160 رأسًا من الماشية.

مدينة شبام التاريخية، المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لم تسلم هي الأخرى من الأضرار، حيث غمرت المياه أجزاءً منها، مما أثار مخاوف على المباني الطينية العريقة التي تُعتبر كنزًا معماريًا فريدًا.

أما محافظة شبوة الغنية بالنفط، فقد دفعت هي الأخرى ثمن الكارثة، إذ لقي خمسة أشخاص، بينهم طفلان، مصرعهم غرقًا في السيول. وتبرز أهمية شبوة هنا ليس فقط كمحافظة منكوبة، بل أيضًا كرمز لنهب الثروات، حيث سيطرت الإمارات عبر أذرعها العسكرية والأمنية على حقولها النفطية وموانئها خلال السنوات الماضية، تاركة السكان في مواجهة الكوارث بلا بنية تحتية ولا خدمات.

عدن.. العاصمة المؤقتة تختنق بالسيول

العاصمة المؤقتة عدن عاشت مشاهد غير مسبوقة من الغرق، إذ تحولت شوارعها إلى أنهار جرفت المركبات وغمرت المنازل. وأكد الصحفي عبدالرحمن أنيس لـ”عربي21″ أن منطقة الحسوة كانت الأكثر تضررًا، حيث دُمّرت منازل بالكامل وشُردت عشرات الأسر. 

وأشار أنيس إلى أن البناء العشوائي في مجاري السيول، الذي تفاقم بفعل ضعف الدولة وانشغالها بالصراعات الداخلية، ساهم بشكل مباشر في حجم الكارثة. اللافت أن المنطقة لم تشهد سيولًا بهذا الحجم منذ عام 1982، وهو ما جعل السكان يتهاونون بخطرها، فيما غابت الرقابة الرسمية التي كان يفترض أن تمنع هذه الكوارث.

الحديدة وحجة.. الأطفال والنازحون ضحايا السيول

في محافظة الحديدة غربي اليمن، أدت السيول إلى غرق شابتين في منطقة القطيع، وتسببت في قطع الطريق الحيوي الواصل بين الحديدة وصنعاء، إلى جانب انهيارات في طرقات أخرى. 

وفي محافظة حجة شمال غرب البلاد، لقي ثلاثة أطفال مصرعهم وأصيب والدهم إثر انهيار منزلهم بفعل الأمطار، كما انهارت عشرات منازل النازحين في مديرية عبس، ما فاقم معاناة الأسر التي فرت أصلًا من الحرب لتجد نفسها أمام مأساة جديدة.

هذه الحوادث تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون، إذ إن النازحين الذين يقدّر عددهم بالملايين يعيشون في مساكن هشة غير مؤهلة لتحمل الكوارث الطبيعية، بينما تغيب أي خطط حكومية أو دعم دولي كافٍ لمواجهة هذه التحديات.

الإمارات.. من نهب الثروات إلى ترك اليمن يواجه الكوارث

لا يمكن قراءة مأساة السيول بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي فرضته الحرب. فالإمارات، التي قدمت نفسها كداعم “للشرعية” اليمنية، لعبت دورًا كبيرًا في تقويض مؤسسات الدولة عبر دعم مليشيات انفصالية وسيطرتها على موانئ وجزر استراتيجية مثل سقطرى وعدن والمخا. 

وبالتوازي مع ذلك، نهبت الثروات النفطية والغازية، خصوصًا من شبوة وحضرموت، دون أن تعيد شيئًا من العائدات لتحسين البنية التحتية أو دعم مشروعات الصرف الصحي ومجاري السيول.

هذا الدور جعل اليمن بلدًا هشًا أمام أبسط التغيرات المناخية، حيث تتحول الأمطار الموسمية إلى كوارث إنسانية كل عام، لأن الدولة لم تعد تمتلك مؤسسات قادرة على التخطيط لمواجهة الأزمات، ولا ميزانيات لإصلاح الطرق أو بناء السدود أو تنظيم العمران.

أزمة مركبة: الطبيعة والحرب معًا

اليمن اليوم يواجه أزمة مركبة، حيث تتداخل الكوارث الطبيعية مع آثار الحرب. فالأمطار الغزيرة والسيول التي من المفترض أن تكون مصدرًا للخير والزراعة، تتحول إلى كارثة بسبب غياب الدولة، الفساد، ونهب الثروات من قبل أطراف محلية وخارجية. 

وفي ظل توقعات بزيادة موجات الطقس القاسي بفعل التغير المناخي، فإن الوضع مرشح للتفاقم ما لم تُبذل جهود حقيقية لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، ومحاسبة الأطراف التي ساهمت في إضعافها، وعلى رأسها الإمارات.

خاتمة: اليمن بين مطر الرحمة وغضب الطبيعة

في النهاية، تكشف السيول الجارفة في اليمن عن واقع مأساوي يتجاوز حدود الطبيعة، ليعكس أزمة سياسية واقتصادية وإنسانية أعمق. فبينما يحصد المطر أرواح الأبرياء ويدمر منازل الفقراء، تبقى الثروات منهوبة والقرارات مرهونة لأجندات خارجية. وما لم يستعد اليمن استقلالية قراره السياسي وثرواته الوطنية، فإن كل موجة مطر ستظل مرادفًا لموجة جديدة من المآسي.

اقرأ أيضًا : الإمارات وتأجيج الصراع في حضرموت: تحذيرات من سيطرة “الانتقالي الجنوبي” على الساحل