نشرت صحيفة نيويورك بوست تقريرًا كشفت فيه عن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في عالم العمليات السرية والمرتزقة التابعة للإمارات، حيث تتقاطع الاتهامات بمحاولات اغتيال، مع شبكات عسكرية خاصة تعمل خارج الأطر الرسمية، وارتباطات مباشرة بدول في المنطقة.

يتناول التقرير قصة دانيال كوربيت، وهو عنصر سابق في القوات الخاصة الأمريكية (Navy SEAL)، شارك في عملية إنقاذ الكابتن ريتشارد فيليبس عام 2009 من قراصنة صوماليين، كما يُقال إنه كان ضمن الفريق السادس الذي طارد أسامة بن لادن. وقد تم اعتقاله في العاصمة الصربية بلغراد عام 2018، بعد العثور بحوزته على سلاح ناري يحمل رقمًا تسلسليًا مشطوبًا، وسط مزاعم إعلامية محلية بأنه كان في مهمة لاغتيال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش.

قضى كوربيت 18 شهرًا في السجن بعد اعتقاله داخل شقة برفقة ثلاثة صربيين، بينما ألمح مسؤولون صرب إلى وجود “أمر مريب”، بل وصرّح الرئيس نفسه بأن كوربيت لم يأتِ “لصيد السمك في نهر الدانوب”. ومع ذلك، انتهت القضية ببراءته في يونيو 2019 من جميع التهم المتعلقة بالسلاح، لعدم كفاية الأدلة، قبل أن يُطلب منه مغادرة البلاد فورًا. وفي تطور لافت، قُتل محاميه لاحقًا في عملية إطلاق نار وصفت بأنها “تصفية بأسلوب العصابات”، في حادثة قيل إنها غير مرتبطة بالقضية.

لكن اسم كوربيت عاد إلى الواجهة مجددًا، ليس بسبب قضيته في صربيا، بل في سياق فضيحة قانونية أوسع تطال وحدة مرتزقة تُعرف باسم “Spear”، والتي كان جزءًا منها. هذه الوحدة تواجه دعوى قضائية رفعها عضو سابق في مجلس النواب اليمني، يتهم فيها المجموعة بمحاولة اغتياله ضمن برنامج منظم للاغتيالات السياسية.

وتشير الدعوى إلى أن مؤسس الوحدة، أبراهام غولان، المقيم في سان دييغو، عمل على إعداد “قائمة اغتيالات” تضم 23 شخصًا، بهدف تصفيتهم لصالح حكومة الإمارات. ويُذكر في القضية أيضًا كل من إسحاق غيلمور وديل كومستوك كمتهمين رئيسيين، في حين لا يرد اسم كوربيت ضمن وثائق الدعوى، رغم ارتباطه السابق بالمجموعة.

وبحسب ما ورد، تأسست وحدة “Spear” في أغسطس 2015 في ولاية كاليفورنيا، عندما قام غولان وغيلمور، وكلاهما من عناصر القوات الخاصة الأمريكية السابقة، بعرض خدمات “اغتيالات مستهدفة” على الإمارات، مقابل 1.5 مليون دولار شهريًا، بالإضافة إلى مكافآت عن كل عملية ناجحة.

وتنقل الدعوى عن غولان قوله: “كان هناك برنامج اغتيالات مستهدفة في اليمن. أنا من كنت أديره. نفذناه. وكان ذلك بموافقة الإمارات ضمن التحالف.” وتشير الوثائق إلى أن الفريق جند عناصر سابقين من الجيش الأمريكي، من بينهم ديل كومستوك، الذي كان يتقاضى 40 ألف دولار شهريًا لإدارة فريق القتل.

بحلول ديسمبر 2015، تم تشكيل الفريق ونُقل جوًا إلى اليمن عبر طائرة خاصة انطلقت من مطار تيتربورو في نيوجيرسي، محملة بمعدات عسكرية ودروع وأدوات متخصصة لصناعة المتفجرات.

وكان الهدف الرئيسي للعملية هو السياسي اليمني أنصاف علي مايو، أحد أعضاء حزب الإصلاح، ثاني أكبر حزب سياسي في اليمن، والذي تعتبره الإمارات مرتبطًا بجماعة الإخوان المسلمين. ووفقًا للخطة، كان من المقرر تفجير مقر الحزب في مدينة عدن، ثم إطلاق النار على من ينجو من الانفجار.

وتُظهر لقطات بطائرة بدون طيار من ديسمبر 2015 تفاصيل العملية، حيث اقترب الفريق من الموقع، وقام كومستوك بزرع عبوة ناسفة محشوة بشظايا، قبل تفجيرها، ما أدى إلى انفجار ضخم أعقبه إطلاق نار، ثم انفجار ثانٍ ناتج عن سيارة مفخخة كانت معدّة لتعزيز الدمار.

ويُقتبس عن كومستوك قوله: “كنت سأحاول فتح الباب، ورمي بعض القنابل اليدوية، ثم الدخول وإطلاق النار على الجميع.”

ورغم ذلك، نجا الهدف من العملية، إذ كان قد تلقى تحذيرات بوجود تهديد لحياته، فغادر المكان قبل لحظات من الانفجار. لكنه أكد أنه يعاني منذ ذلك الحين من صدمات نفسية وعاطفية، ويعيش حاليًا في المنفى داخل السعودية.

وفي موازاة هذه الأحداث، نشر كوربيت في عام 2024 كتابًا بعنوان “American Mercenary”، تحدث فيه عن تجربته، بما في ذلك حادثة اعتقاله في بلغراد، مشيرًا إلى أن السلطات الصربية افترضت الأسوأ فور اكتشاف هويته كعنصر سابق في القوات الخاصة، واتهمته مباشرة بالتخطيط لاغتيال الرئيس، في قضية وصفها بأنها محاكمة صورية.

كما كشف في مقابلة لاحقة عن تفاصيل لحظة اعتقاله، حيث اقتحم عناصر الشرطة الشقة، ووجه أحدهم السلاح إلى رأسه، بينما أخبره ضابط آخر بأنه متهم باغتيال الرئيس، قبل أن يقر له لاحقًا بأن الإعلام سبق وأن نشر الرواية، ما جعل التهمة “واقعًا إعلاميًا” حتى قبل إثباتها.

في المجمل، يعكس هذا الملف شبكة معقدة من العمليات السرية، حيث تتداخل المصالح السياسية مع أنشطة المرتزقة، وتُطرح تساؤلات خطيرة حول دور دول في تمويل وتنفيذ عمليات اغتيال خارج نطاق القانون، في مناطق نزاع مثل اليمن.