نشرت صحيفة The Guardian البريطانية تقريرًا تناول الكاتب والناشط السياسي أوين جونز خلاله واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الإعلامي البريطاني، وهي سحب هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) لفيلم وثائقي عن أطفال غزة من منصتها الرقمية، تحت ضغط من جماعات ضغط موالية لإسرائيل. التقرير، الذي جاء بعنوان:

“شبكة BBC تُثير استياء الجميع بتغطيتها لغزة. بعد هذا الفشل الجديد، من سيبقى للدفاع عنها؟”

يُقدّم جونز في تقريره تفكيكًا جريئًا لكيفية تواطؤ الإعلام البريطاني مع الاحتلال، وانهيار المعايير المهنية أمام الابتزاز السياسي، وسط حرب إبادة تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع العالم.

بدأ جونز تقريره مشيرًا إلى أنه في سياق الإبادة الجماعية المستمرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، لا تكتمل فصول الجريمة دون دور الإعلام الغربي الذي انقلب على رسالته الأساسية، واختار الاصطفاف مع الجلاد بدلًا من التضامن مع الضحية. أحدث تجليات هذا الانحراف جاءت من داخل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، التي سحبت فيلمًا وثائقيًا عن معاناة أطفال غزة بعنوان “غزة: كيف تنجو من منطقة حرب” من منصتها الرقمية  iPlayer، تحت ضغط لوبيات داعمة للاحتلال، في فضيحة تعكس حجم الاختراق الذي طال المؤسسات الإعلامية الكبرى.

الوثائقي الذي أُنتج من قِبل شركة Hoyo Films كان محاولة نادرة لنقل مشاهد الألم الإنساني لأطفال غزة إلى المشاهد البريطاني. لكن الفضيحة لم تكن في المذبحة التي يتعرض لها الأطفال الفلسطينيون، بل في هوية الراوي: طفل يبلغ من العمر 13 عامًا يُدعى عبد الله، تبيّن لاحقًا أنه ابن نائب وزير الزراعة في حكومة حماس. فور انتشار هذه المعلومة عبر باحث صهيوني معروف يُدعى ديفيد كولير، اشتعلت موجة من التحريض قادتها مجموعات ضغط موالية لإسرائيل، وانضمت إليها وسائل إعلام وحكوميون بريطانيون، لتتخذ الـBBC قرارًا بسحب الفيلم.

تقرير المراجعة الذي صدر الإثنين الماضي أشار إلى أن عدم الإفصاح عن هوية والد عبد الله كان خرقًا لإرشادات الشفافية التحريرية في الـBBC، لكنه في الوقت ذاته نفى أي نية تضليل من قبل الشركة المنتجة، معتبرًا أن المنصب الذي يشغله والد الطفل “مدني تقني” لا علاقة له بالجانب السياسي أو العسكري. الأهم من ذلك أن جميع كلمات عبد الله كانت مكتوبة من قبل الشركة المنتجة ولم تتضمن أي انتهاك للمعايير التحريرية أو انحياز سياسي. وبعبارة أخرى: لم يكن لهوية والده أي تأثير على مضمون الوثائقي.

ومع ذلك، اختارت شبكة BBC الانصياع للابتزاز السياسي والإعلامي، بدلًا من الدفاع عن عمل صحفي هدفه تسليط الضوء على إحدى أكبر المآسي في العصر الحديث. لم يكن هناك مبرر موضوعي لسحب الوثائقي، سوى الخضوع المفضوح للضغوط. الأسوأ من ذلك أن الطفل عبد الله وعائلته تعرضوا لحملة من التهديدات والتحريض، ما دفعه للقول إن شبكة BBC ستكون مسؤولة عن أي مكروه قد يصيبه. في ظل واقع تُذبح فيه آلاف الأطفال الفلسطينيين، وتُرتكب المجازر في وضح النهار، فإن هذه المخاوف ليست عبثية.

في الأيام ذاتها، قُتل أطفال فلسطينيون أثناء انتظارهم الحصول على عبوات غذائية ومياه، فيما وصفت قوات الاحتلال الجريمة بأنها “خطأ تقني”. أي تكنولوجيا تلك التي تُخطئ في استهداف أطفال عزّل ينتظرون الماء؟ الحديث هنا عن واحدة من أكثر الجيوش تطورًا في العالم، قادرة على معرفة تفاصيل كل هدف قبل قصفه. لكنها تقتل الأطفال بالجملة، وتحتفظ لنفسها بحصانة إعلامية وأخلاقية توفرها لها المؤسسات الغربية.

المفارقة الصارخة أن الجدل السياسي والإعلامي في بريطانيا انصبّ على تفصيل صغير داخل فيلم وثائقي، بدلًا من الاهتمام بحقيقة المجازر الموثقة. وزيرة الثقافة البريطانية، ليزا ناندي، طالبت بمحاسبة من سمح بعرض الوثائقي، متسائلة لماذا لم يُفصل أحد من عمله. في عالمها المقلوب، لا تستحق جريمة ذبح آلاف الأطفال المحاسبة، بل فقط عرض فيلم يُوثق معاناتهم.

ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد. فقد تسببت هذه الفضيحة المفتعلة في تعليق عرض وثائقي ثانٍ بعنوان “غزة: الأطباء تحت القصف”، يوثق استهداف الاحتلال للمستشفيات والطواقم الطبية، والتي أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 1580 من العاملين في المجال الصحي. الوثائقي، الذي تمت الموافقة عليه في كل مراحله التحريرية دون اعتراض، تم سحبه من قبل شبكة BBC خشية اعتراض ديفيد كولير أو مجموعة الضغط CAMERA. وقد كتب المنتج التنفيذي للفيلم، بن دي بير – وهو محرر أخبار سابق في Channel 4 – في صحيفة The Observer أن الاجتماعات التحريرية داخل BBC كانت تدور حول ما قد يقوله كولير، لا حول الحقائق الصحفية.

كولير نفسه كتب سابقًا أن “الهوية الفلسطينية وخاصة ’اللاجئين‘ تم تطويرها فقط كسلاح ضد إسرائيل”، ووصف علم فلسطين بأنه “علم يحمل كراهية إبادة جماعية”. ومع ذلك، يُعامل هذا الشخص كمصدر مشروع للضغط والتحكم في السياسات التحريرية لإعلام يفترض أنه محايد وموضوعي.

ورغم كل هذه الانبطاحات، ما زال اللوبي الصهيوني يتهم شبكة BBC بالتحيّز ضد إسرائيل. بينما أظهر تقرير صادر عن مركز رصد الإعلام التابع للمجلس الإسلامي البريطاني أن تغطية BBC كانت منحازة بشدة لصالح إسرائيل، حيث حصلت وفيات الإسرائيليين على مساحة إعلامية أكبر بكثير – لكل ضحية – مقارنة بالفلسطينيين، رغم أن عدد ضحايا غزة بعشرات الآلاف. كما تم حجز المفردات العاطفية كـ”مجزرة” و”وحشية” و”بربرية” فقط لوصف ما يتعرض له الإسرائيليون. وأكد التقرير أن أصوات الإسرائيليين ظهرت في التغطية أكثر بكثير من أصوات الفلسطينيين.

هذا الانحراف المهني دفع أكثر من 100 صحفي داخل BBC لتوقيع رسالة احتجاجية على قرار حذف وثائقي الأطباء، في مؤشر على وجود تململ داخلي من سياسات المؤسسة. لكن يبدو أن الصوت التحريري الحر بات غريبًا داخل غرف أخبار المؤسسات الغربية الكبرى.

في النهاية، تنقلب المعايير، وتُجرَّم التغطية بدلًا من الجريمة. تُحاكم الأفلام بدلًا من القتلة. ويصبح الإعلام – بدلًا من أن يكون عينًا على المجازر – شريكًا في التغطية عليها. ومع استمرار الإبادة الجماعية، تفقد BBC ما تبقى من مصداقيتها وتُنفر حتى جمهورها الطبيعي من التقدميين، فيما يواصل اليمين مهاجمتها كونها “وسيلة إعلام عامة”. وبين مطرقة اللوبي الصهيوني وسندان الفشل المهني، تبقى الأسئلة مفتوحة: من سيدافع عن BBC؟ ومن سيعيد للإعلام البريطاني شرفه المفقود؟